يمثل حي سيف الدولة بحلب السورية نموذجا مصغرا لما آلت إليه سوريا بعد نحو أربع سنوات من انطلاق الثورة، فالحي الذي شهد مظاهرات سلمية في البداية، لم يعد يعرفه سكانه اليوم بعد الدمار الهائل الذي أصابه نتيجة قصف قوات النظام.

عمر يوسف-حلب

يعتبر حي سيف الدولة في مدينة حلب السورية تجسيدا لقصة الثورة السورية التي بدأت بمطالبات سلمية للإصلاح، ولكنها قوبلت بالحديد والنار.

شهد الحي قبل ثلاثة أعوام مظاهرات سلمية، لكنه اليوم لم يعد كما يعرفه سكانه، فالدمار الذي أحدثته طائرات النظام وصواريخه كان كفيلا بتغيير معالم الحي، ووجوه الناس لم تعد مألوفة كما كانت، فإذا كنت من سكان الحي القدامى ستجد صعوبة في التعرف على الناس.

أما جامع آمنة -الذي كان مهد المظاهرات السلمية التي خرجت تطالب نظام الرئيس السوري بشار الأسد بالإصلاحات وتحسين الأحوال المعيشية- فلم يعد موجودا نتيجة قصف النظام للحي بلا هوادة عندما كان تحت سيطرة المعارضة المسلحة.

وقد شهد الحي الحلبي العريق -إضافة إلى التدمير- عملية استبدال للسكان، حيث دأب النظام السوري على أن يسكن أعوانه من الذين يُطلق عليهم اسم "الشبيحة" في المساكن الخالية في الأحياء التي يستعيد السيطرة عليها من المعارضة، كنوع من المكافأة للخدمات التي يقدمونها.

وقد أدى انتقال الشبيحة المعروفين بعنفهم وعدم احترامهم للمواثيق والأعراف القانونية والإنسانية إلى إحجام عدد كبير من سكان الحي عن العودة إلى منازلهم التي هجروها واستقروا في أحياء أكثر أمناً.

جامع آمنة مهد المظاهرات السلمية فقد مئذنته (الجزيرة)

إعادة توطين
يذكر أن معظم أنحاء الحي قد وقعت تحت سيطرة جيش النظام منذ عامين تقريبا، بعد معارك ضارية خاضها مع المعارضة السورية المسلحة.

وقد أصبح حي سيف الدولة اليوم نموذجاً لممارسة النظام لإعادة توطين عناصره من الشبيحة أو اللجان الشعبية كما يسميهم الإعلام الرسمي السوري في إشارة إلى كل من يناصره ويحمل السلاح دفاعا عنه.

في أحد زاويا الحي يجلس مراهق يحمل بندقية روسية، ينادي عليه رفيقه المسلح أيضاً لشرب الشاي، من السهل التعرف من خلال اللهجة بأنهما من أبناء الريف الحلبي الموالي الذين يستعين بهم النظام في معاركه.

ونتيجة لذك فقد تعدت مكافآت هؤلاء المقاتلين مجرد السكن في البيوت التي تركها أصحابها، ووصل الأمر إلى حد استيلائهم على المحال والصالات التجارية التي تنتشر على الشارع العام.

يقول حسام (30 عاما) وينتمي لإحدى عائلات الحي القدامى للجزيرة نت إن غالبية سكان الحي الأصليين وأصحاب المنازل لم يعودوا إلى بيوتهم بعد بسط النظام سيطرته، الأمر الذي شجع عناصر الشبيحة على الاستيلاء على المنازل.

وأوضح قائلا "لقد رحل معظمهم إلى تركيا أو الأحياء الآمنة وجاء الغرباء المسلحون وسكنوا في منازلهم".

ولا يخفي حسام حنقه على الشبيحة الذين استولوا على الحي وأصبحوا الآمر الناهي الذي يحق لهم ما لا يحق لغيرهم.

ويتعامل النظام السوري مع الحي كمنطقة عسكرية، حيث يتولى شؤونه ضابط عسكري برتبة نقيب، ويمتلك الصلاحيات المطلقة وهو من يعطي الموافقة للسكان بالعودة إلى بيوتهم، ومن عنده تدار العجلة الأمنية.

ويستحيل على المنخرطين في الاحتجاجات السلمية في الحي ممن لهم سجل أمني العودة فذلك أشبه بالانتحار.

سكان الحي في مناطق التماس لا يستطيعون العودة لمنازلهم (الجزيرة)

سلوك عدواني
يتحدث الصحفي المعارض "أبو عبيد الحلبي" عن تفاصيل المعيشة في حي سيف الدولة، فيقول إن المنازل الممتدة من دوار الكرة الأرضية وحتى جامع آمنة يقطنها شبيحة من الريف والأحياء الشرقية مع عائلاتهم، وهم مسلحون ويستدعون عند الحاجة، ويصف سلوكهم بأنه عدواني ضد جميع المدنيين.

ويوضح الحلبي "أن ضباط الجيش النظامي يقطنون في الشوارع الفرعية والداخلية الأكثر أمناً".

ورغم عودة عدد من سكان الحي إلى منازلهم فإن الغالبية العظمى اختارت تأجير منازلها ولو بمبلغ ضئيل نسبياً، خاصة في الأحياء الواقعة على خط التماس مع قوات المعارضة.

أبو مصطفى ( 55 عاما) أحد أولئك الذين يرفضون العودة للحي، وقام بتأجير منزله لعائلة متوسطة الحالة نزحت من حي الفردوس، حيث يحصل على مبلغ شهري يبلغ عشرين ألف ليرة سورية (أي ما يقارب المائة دولار أميركي).

ويرفض أبو مصطفى العودة إلى منزله من باب الحرص على عائلته، خشية التعرض لمضايقات الشبيحة المنتشرين في الحي كما يقول.

المصدر : الجزيرة