تجسد حالة السيدة الفلسطينية محفوظة اشتية نموذجا للتمسك بالأرض مهما كانت التحديات التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لابتلاع الأرض وترهيب أصحابها، وباتت صورة الحاجة محفوظة وهي تحتضن إحدى أشجار الزيتون في أرضها رمزا للتمسك بالأرض في يوم الأرض.

عاطف دغلس-نابلس

لم تغب الحاجة محفوظة اشتية (أم غانم) عن بال الفلسطينيين برهة من الزمن، بل أضحت صورتها وهي تحتضن أشجار زيتونها التي نالت منها أيدي المستوطنين المتطرفين "علامة مسجلة" في كثير من المناسبات الوطنية والمحلية فلسطينيا وعربيا أيضا.

وبعد عقد وأكثر من التقاط الصورة للحاجة محفوظة (66 عاما) في قريتها سالم شرق مدينة  نابلس، لم تزل حكاية صمودها تسطّر بقوة عن أرضها التي أعادت لها الحياة مجددا، وصار كل يوم هو "يوم أرض" عندها.

وتقول محفوظة للجزيرة نت إنها تدرك أن صورتها أضحت قصة مكتملة الجوانب، وتعبر عن قضية شعب بأكمله يرزح تحت نير الاحتلال منذ عقود، "وأكثر ما يوجعه هو الوقوف في وجهه وإفشال كل مخططاته".

  محفوظة اشتية تقطع خمسة كيلومترات مشيا كل يوم للوصول إلى أرضها (الجزيرة)

إرادة
تقطع محفوظة يوميا أكثر من خمسة كيلومترات مشيا على الأقدام لتصل إلى أرضها التي عزلها الاحتلال خلف الطريق الاستيطاني الالتفافي، كما هو حال جل الأراضي في قريتها، وتسعى دون كلل أو ملل لمتابعة زيتونها وقمحها.

وكانت بداية الحكاية قبل عشرة أعوام، عندما هاجم المستوطنون أرض قريتها في منطقة اللحف شرقي البلدة، وحطموا بمناشيرهم الآلية أكثر من ثمانمائة شجرة زيتون، فكانت هي وأولادها وزوجها أول الواصلين للمكان، فأخذت تحتضن الأشجار واحدة تلو أخرى وكأن جزءا من عمرها انقضى عنوة.

تقول محفوظة "بدأ أولادي يكّبرون بصوت عال حتى هرب المستوطنون من الأرض، تاركين وراءهم دمارا غير مسبوق"، مشيرة إلى أن قوات كبيرة من الجيش حضرت للأرض وحاولت منع الأهالي من الوصول لأرضهم، لكن "مجزرة" كادت أن تقع حالت دون استمرار المنع الإسرائيلي وإغلاق الطريق أمام المواطنين.

وأردفت محفوظة قائلة إن أكثر ما آلمها أنها عاشت ذات المشهد قبل سنوات من الحدث المذكور، عندما اقتلع جنود مدججون بالأسلحة عشرات أشجار الزيتون المعمر (الرومي) من أرضها بالجرافات العسكرية.

 محفوظة تستميت دفاعا عن أرضها وزيتونها (الجزيرة)

إصرار
لكن هذا القلع والتدمير للأرض لم تستسلم له محفوظة، بل انتصرت عليه وأعادت زراعتها بالزيتون وسط معاناة واعتداءات المستوطنين التي لا حصر لها.

ردّت محفوظة وثلة من أهالي قريتها على عملية تجريف وقلع أكثر من ثلاثمائة شجرة زيتون من أرضهم بالفعل ذاته، وأقدموا على خلع وتحطيم أشجار لمستوطنين يسكنون بؤرة استيطانية قرب أرضهم.

ولا تملك محفوظة وعائلتها سوى خمسين دونما (الدونم يعادل ألف متر مربع) من أرضها التي يعزلها الاحتلال خلف الطريق الالتفافي بالقرب من مستوطنتي "جدعون" و"ألون موريه" اللتين تجثمان على أراضي القرية وتصادران آلاف الدونمات منها وتحولان المكان "لمنطقة عسكرية إسرائيلية مغلقة" بشكل شبه دائم.

 معروف اشتية يتحدث عن شجاعة زوجته (الجزيرة)

شجاعة
ويقول زوجها الحاج معروف اشتية إن كل ذلك جعل "حالة من غضب تسكن محفوظة باستمرار على المستوطنين وجنود الاحتلال الذين يوفرون الحماية الدائمة لهم، وربما سجّل الإعلام حالة محفوظة وهي تستميت دفاعا عن أرضها وزيتونها، لكن مشاهد عديدة غابت عنه، كان أقلها حدة قبل وقت قليل حين ضربها حاخام من المستوطنين المتطرفين الذين هاجموا أبناءها في الأرض ومرغت أنفه بالتراب".

لا تملك محفوظة أكثر من إرادة وكبرياء يعانقان السماء وبعض الدروع التكريمية التي حظيت بها محليا وعربيا تقديرا لصمودها بأرضها، لكنها ترى فيها "قصصا وحكايات" تعمق معنى الأرض في نفوس أحفادها. وأكثر ما تتمناه محفوظة هو "الموت" على أن ترى أرضها تسقط في يد الاحتلال الإسرائيلي أو قطعان مستوطنيه أو يعاودوا تدميرها، وختمت بقولها إنها ستظل تقاوم حتى الرمق الأخير.

المصدر : الجزيرة