أن تكون لاجئا فأنت تعاني مرارة اللجوء والحرمان والبعد عن الوطن, معاناة قد يتحملها الرجل أو الكبير لكنها تصبح أشد قسوة إذا تعلق الأمر بطفلة فلسطينية يتيمة بمخيم اليرموك، محرومة من الأم، وظلت تحلم أكثر من ثلاث سنوات باللقاء.

خليل مبروك-إسطنبول 

تتعدد قصص المعاناة التي يحياها السوريون وضيوفهم الذين طال بهم المقام على أرض الشام من فلسطينيي النكبة، خصوصا في مخيم اليرموك حيث تتجسد المأساة في أقسى صورها. ويأمل المغلوبون على أمرهم هناك بقرب الفرج. ومن بين هؤلاء الضحايا طفلة فلسطينية ووالدتها السورية، كُتب عليهما الفراق لأربع سنوات ضاقت فيها بلاد العُرب من الأوطان حتى ظنت كل منهما كل الظن قبل اليوم "أن لا تلاقيا".
 
توفي والد سندس ذات الأعوام العشرة عام 2007، وكان يقيم بمخيم اليرموك حاملا وثيقة سفر سورية، فنشأت الطفلة في كنف أمها يتيمة الأب، دون أن تدري ما يحدث لها غدا من معاناة تفوق طاقتها كطفلة صغيرة.
 
ومع بداية الثورة السورية، رحلت الأم وابنتها إلى الأردن، فسمح للأولى بالدخول دون الثانية نظرا لأنها من "فلسطينيي سوريا" فانفصلت الأم عن طفلتها التي عادت الأدراج إلى قلب الوطن المشتعل بالحرب والموت.
 سندس مع أمها في إسطنبول (الجزيرة)

سنوات الانتظار
مكثت الأم، وهي من العاصمة دمشق، بالأردن ثلاث سنوات حاولت خلالها إحضار طفلتها مرارا دون أن تفلح، ثم انتقلت إلى تركيا علها تجد فرصة مواتية لتعيش مع ابنتها، لكن الظروف ظلت تعاندها إلى وقت قريب.

وتقول أم سندس للجزيرة نت إن كثيرا من أصدقاء العائلة سعوا بعد عجزهم عن إدخال الطفلة للأردن إلى نقلها للبنان لتحصل على تأشيرة السفر إلى تركيا من هناك، لكن الطفلة كانت تصل الحدود السورية اللبنانية ثم يتم إرجاعها لعدم وجود وكيل ولكونها تحمل وثيقة سفر.

وتضاعفت المأساة أمام الأم وابنتها مع تكرار رفض السفارة التركية في بيروت منح الطفلة تأشيرة دخول رغم تقديم الطلب سبع مرات للحصول عليها من بلد يقدم التسهيلات الكبيرة للفارين من أتون الحرب في الداخل السوري.

كانت فترة ابتعاد الطفلة عن أمها قاسية، وتقول الأم "هذا الشعور لا أتمناه لأم أبدا" وزاد من المصاعب شعورها بالقلق على حياة طفلتها التي تنقلت بين الكثير من المدارس والملاجئ وشهدت القصف والاشتباكات الدامية خلال إقامتها مع عائلة جدها.

الأم تحتضن ابنتها بعد طول غياب (الجزيرة)

فرحة اللقاء
وفجر الجمعة الماضية، تكللت مساعي "أهل الخير" لدى الحكومة التركية لجمع الطفلة بأمها بالنجاح، ليكون اللقاء الأول في مطار أتاتورك بإسطنبول وسط حضور كبير من الأهل والنشطاء الذين ساهموا في إكمال المهمة.

فاجأت سندس الحضور لاستقبالها بالمطار بعد مسيرتها الطويلة من البحث عن أمها حين سألتهم "هل ما زلت فلسطينية؟" وكأنها تدرك أن السفر ولمّ الشمل مع الأهل باتا من حقوق كل الناس ما لم يكونوا فلسطينيين.

وتتطلع الأم اليوم لواقع أجمل من الماضي المُر في غياب ابنتها، وتقول إنها تريد أن تعوض طفلتها عن السنوات التي عاشتها بعيدا عنها. أما سندس التي ما زالت تحس بالغربة وصدمة الانتقال بعد الفراق الطويل، فأبدت رغبتها الالتحاق بالمدرسة مجددا بعدما درست حتى الصف الثالث الابتدائي في سوريا.
 
ويقول يونس أبو أسعد (عضو هيئة علماء فلسطين) التي عملت على تسهيل نقل الطفلة إلى إسطنبول أن سندس دخلت الأراضي اللبنانية لتنتقل إلى تركيا، ومكثت هناك 24 يوما بانتظار التأشيرة اللازمة للسفر، لكن طلب التأشيرة تم رفضه فعادت مجددا إلى سوريا.

وأضاف أن الهيئة تواصلت مع العديد من المؤسسات والجمعيات ذات الصلات الوثيقة بالحكومة التركية والعاملة بمجال الشؤون الإنسانية والتي عملت بجد، وتنقل مسؤولوها بين إسطنبول وبيروت حتى تمت الموافقة على حضور الطفلة إلى تركيا.

ويشير أبو أسعد إلى حالات أخرى شبيهة بحال سندس تعمل الهيئة على جمع شملهم، من بينها حالة لطفل فلسطيني يحمل وثيقة سفر سورية وعمره 15 عاما يقيم في القاهرة ووالده بإسطنبول وأمه عالقة باليمن.

المصدر : الجزيرة