أهالي مناطق دير الزور الخاضعة لسيطرة النظام السوري في وضع لا يحسدون عليه مع دخول الحصار المفروض عليهم من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية شهره الثالث، ويخشون عدم استطاعتهم الخروج، وموت الكثيرين تحت القصف واحتمال استخدام النظام لهم كدروع بشرية.

ياسر العيسى-دير الزور

دخلت مناطق دير الزور الخاضعة لسيطرة قوات النظام السوري الشهر الثالث من الحصار المفروض عليها من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، وتزامن ذلك مع بدء مرحلة جديدة تمثلت في قصف تنظيم الدولة تلك المناطق بالهاون الثقيل على مدار الأيام الماضية.

وقابل ذلك تصعيد قوات النظام قصفها الجوي والمدفعي على أحياء المدينة الأخرى التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، مما أوقع العشرات من القتلى والجرحى من المدنيين.

شهود عيان من الأحياء الواقعة تحت سيطرة النظام أكدوا أن مناطقهم تشهد حالة نزوح لعشرات العائلات يوميا، وأن وتيرة النزوح ازدادت مؤخرا، وتوقعوا حدوث ما سموه "النزوح الأكبر" خلال الأيام القليلة القادمة جراء تدهور الأوضاع المعيشية بشكل كبير، ونفاد المؤونة المنزلية.

وتوقع الصحفي فؤاد سليمان -الذي خرج من مناطق النظام قبيل أيام- نزوحا جماعيا مع بداية الشهر القادم مع حصول الموظفين على رواتبهم، وأبدى قلقه في حديث للجزيرة نت من احتمال ارتكاب مجازر جماعية إن منعت قوات النظام خروج الأهالي لاتخاذهم دروعا بشرية.

أهالي دير الزور يخشون عدم السماح لهم بمغادرة مدينتهم (الجزيرة)

مرض وجوع
كما شدد سليمان على احتمال "تدهور الأوضاع الصحية للسكان مع انتشار أمراض الكبد خاصة بين الأطفال، وتدهور الخدمات الصحية المقدمة، ناهيك عن الأزمة الغذائية التي يعيشها السكان جراء فقدان الغذاء من الأسواق".

وأكد سليمان أن "حاجزا لقوات النظام في منطقة عياش -الذي يعد المنفذ الوحيد لخروج السكان المدنيين- عرقل عبور العشرات من الأسر خلال اليومين الماضيين، ووضع أمامهم معوقات أدت إلى تمكن عدد محدود منهم من الخروج".

وبشأن عدد العائلات التي تخرج بشكل يومي من مناطق النظام، قال سليمان إن أعدادها تزيد على مائة عائلة يوميا، منوها بأن العائلات النازحة لم يسمح لها بإخراج أي أمتعة، وأنها تضطر إلى المشي لمسافة تقدر بنحو خمسة كيلومترات للوصول إلى حاجز تنظيم الدولة في منطقة عين البوجمعة بعد خروجها من حاجز عياش. وأضاف أن "تلك المسافة خطرة جدا كونها منطقة قنص واشتباكات، قتل وأصيب بسببها العديد من المدنيين على مدار الأسابيع الماضية".

يذكر أن قسما من سكان دير الزور -التي خضعت معظم أجزائها لسيطرة تنظيم الدولة في يونيو/حزيران الماضي بعد طرد جبهة النصرة وكتائب المعارضة السورية- قد أبدوا خشيتهم من عمليات انتقام كبيرة من قبل قوات النظام جراء التطورات التي تشهدها المناطق التي يسيطر عليها.

وهؤلاء السكان هم أنفسهم الذين طالهم ضرر الحصار بسبب اعتماد الكثير منهم على الراتب الذي يحصلون عليه نهاية كل شهر، والحال يضيق حاليا بآلاف الأسر بعد انقطاع موردها الوحيد بداية العام الجاري، بحسب ما أكده عدد من سكان تلك المناطق.

النظام السوري قصف مناطق لا يتواجد فيها تنظيم الدولة مما يدل على نية الانتقام (الجزيرة)

الانتقام
وأفاد الناشط الإعلامي علي الصالح بأن "خشية السكان مشروعة"، مشيرا إلى أن "هذا الانتقام يبدو أنه بدأ فعليا خلال الأيام الماضية مع إلقاء النظام البراميل المتفجرة على أحياء مدنية لا توجد فيها أي مقرات لتنظيم الدولة، مما أوقع العشرات من القتلى والمصابين، مما يدل على أن الغاية هي الانتقام".

واتهم الصالح الحملات الإعلامية التي يقوم بها نشطاء المعارضة ضد الحصار بأنها "أعطت بشكل غير مباشر التبرير لقوات النظام بارتكاب المجازر، خاصة أن تلك الحملات تتطرق بشكل خجول لما يفعله النظام، لتركز على مهاجمة حصار تعلم يقينا أن منفذه لا تهمه أي حملات إعلامية".

المناطق الخاضعة لسيطرة قوات النظام في دير الزور شرق سوريا تضم نحو أربعمائة ألف مدني، معظمهم من نازحي أحياء المدن الأخرى، وإضافة إلى تلك الأحياء بقي للنظام لواء عسكري ومركز تدريب ومطار يستخدمه للطائرات المدنية والأغراض العسكرية.

ويرى عبد العزيز -من سكان حي القصور المسيطر عليه من قبل النظام- أن "نسبة كبيرة من أهالي هذه الأحياء وقعوا بين حصار الجوع، أو المغامرة بالخروج من هذه الأحياء بعد أن تقطعت بهم السبل وذاقوا ذل النزوح".

منازل مدمرة
ونوه المتحدث للجزيرة نت بأن "نسبة كبيرة لا تستطيع حتى العودة إلى منازلها بعد أن قام تنظيم الدولة بتكفير الأطباء والمحامين والقضاة والمحاسبين ورؤساء الدوائر والشرطة، ومصادرة منازلهم وعقاراتهم".

وتابع قائلا "من جانب آخر هناك العديد من الأسر التي دمرت منازلها، وبعضها صادر التنظيم ذاته منازلها، باعتبارها منطقة عسكرية من دون إيجاد البديل لها".

مصدر مقرب من تنظيم الدولة في دير الزور -طلب عدم ذكر اسمه- أكد للجزيرة نت أن الأوضاع متجهة حاليا إلى التصعيد، مشيرا إلى أن تنظيم الدولة بدأ المرحلة الثانية من حصاره منذ أيام عبر القصف بالهاون الثقيل، وأن هذه المرحلة ستعقبها مرحلة ثالثة تتمثل في منع الخروج من مناطق النظام بشكل نهائي بعد أن منع الدخول إليها منذ منتصف يناير/كانون الأول الماضي.

وأشار المصدر إلى أن تنظيم الدولة يستهدف في قصفه المواقع الأمنية ومقرات النظام، وأن إصراره على مغادرة المدنيين هو لتجنب وقوع خسائر مدنية، إضافة إلى أنها تحمل جانبا شرعيا يتمثل في "عدم جواز سكن المسلمين في مناطق الكفار".

المصدر : الجزيرة