بعد عودة السلطان قابوس بن سعيد من رحلة علاج بالخارج، باتت سلطنة عُمان مرشحة للعب دور محوري في اليمن، حيث ترتبط بعلاقات متوازنة مع طرفي الصراع تتجلى في كسبها ثقة طهران وقدرتها على تبديد هواجس الغرب ودول الخليج.

سيد أحمد الخضر


من حين لآخر، تقفز سلطنة عُمان من الانزواء عن الأنظار إلى خطف الأضواء، وفق سياسة خارجية تنتهج الموازنة بين الانشغال بالداخل والتعاطي الحذر والجريء أحيانا مع قضايا الخارج.

وفي ظل الوضع المعقد خليجيا وإقليميا، لا ترى مسقط بدا من الدخول على خط الملفات الساخنة بما يتفق مع رؤيتها لأمن المنطقة ويكرس استقلال قرارها دون النظر لأقانيم السياسة وإكراهات الاقتصاد.

داخليا، تتميز عُمان بالاستقرار السياسي والاقتصادي وتولي أهمية كبيرة لجودة الخدمات والتعليم بالرغم من أنها لا تملك سوى 1.2% من إجمالي احتياطات النفط بدول الخليج.

وبينما يشكل النفط 64% من الموازنة العامة للدولة، يتم توفير النسبة الباقية من الضرائب وإيرادات أخرى، في حين يتميز القطاع الخاص بالقوة والتنوع حيث يغطي الزراعة والصناعة والسياحة والنسيج وصهر النحاس.

وعلى الصعيد الخليجي، غالبا ما تأخذ السلطنة مسافة واحدة من الجميع، وتنأى بنفسها عن الحزازات البينية إلا في حدود السعي لتقريب وجهات النظر بين الخصوم.

السلطان قابوس عاد من رحلة علاجية بألمانيا دامت ثمانية أشهر (الجزيرة)

استقلال القرار
وبالرغم من أنها أحد مؤسسي مجلس التعاون الخليجي، ترفض مسقط أن تكون ساحة لنفوذ أي من اللاعبين مؤكدة في أكثر من موقف استقلال قرارها على صعيدي السياسة والاقتصاد.

وكما رفضت بحزم "التسرع في فكرة الاتحاد الخليجي والعملة المشتركة" ابتعدت سلطنة عمان كليا عن التورط في الوضعين المصري والسوري مبقية على علاقات متوازنة مع الجميع.

لكن الأكثر استثناء وجرأة هو احتفاظ مسقط بعلاقات قوية مع طهران، والعمل بجد على تبديد هواجس الغرب من مشروعها النووي من منطلق إستراتيجية ترى أن وصل إيران خير من قطعها وأن استعداءها ليس في مصلحة الخليجيين ولا العرب.

ففي أوج المخاوف من "الهلال الشيعي وتمدد إيران من الكويت إلى نواكشوط" شد السلطان قابوس بن سعيد الرحال نحو طهران ليكون أول زعيم دولة يصلها بعد تولي حسن روحاني مقاليد السلطة هناك في الثالث من أغطس/آب 2013.

السلطان قابوس الذي يبلغ 74 عاما ويحكم بلاده منذ عام 1970، تجاوز العمل على توطيد العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الإيرانيين لتقديم نفسه وسيطا مقبولا بينهم والغرب حول البرنامج النووي.

سلطنة عُمان جسرت الهوة بين الولايات المتحدة وإيران (أسوشيتد برس)

مفاوضات فاتفاق
وفي عام 2013، استضافت مسقط محادثات سرية ومباشرة بين واشنطن وطهران حول البرنامج النووي كانت الأولى من نوعها في تاريخ البلدين منذ بينونة طلاقهما عام 1979.

هذه المفاوضات مهدت الطريق للوصول إلى اتفاق بين إيران ومجموعة "5+1" بشأن البرنامج النووي في جنيف، في الـ24 من نوفمبر/تشرين الثاني 2013.

وفي الـ12 من مارس/ آذار 2014، رد روحاني هذا الجميل، فكانت السلطنة أول دولة عربية يزورها، ووقع الجانبان حينها اتفاقات عديدة في مجالات الطاقة والتجارة والصناعة تجاوزت قيمتها ستين مليار دولار.

وبعد عودة السلطان من رحلة علاج بألمانيا دامت ثمانية أشهر، يُتوقع أن تلعب عُمان دورا محوريا في الأزمة اليمنية بالنظر لعلاقتها المتوازنة مع طرفي الصراع.

ففي ظل عمق العلاقة بين إيران ومجموعة الحوثي، يرى مراقبون أن مفتاح حل الأزمة بات بيد مسقط نظرا لكونها تحظى بثقة طهران وبإمكانها تبديد هواجس الخليجيين والغربيين في ذات الوقت.

وقد تعزز هذا الاحتمال بعد سحب أميركا لجنودها من جنوب اليمن، ووصول المبادرة الخليجية لطريق مسدود بعد استيلاء الحوثيين على معظم المحافظات اليمنية ورفضهم الحوار مع الرئيس عبد ربه منصور هادي في العاصمة السعودية الرياض.

المصدر : الجزيرة