رغم أن البصرة الغنية بالنفط قد عم خيرها العراق كله على مدى عشرات السنين ولا يزال فإن حالها في بعض الجوانب الاجتماعية لا يختلف كثيرا عن المدن الفقيرة أو التي تفتقر للعوائد، فالمتسولون كبارا وصغارا يملؤون شوارعها وأزقتها.

عبد الله الرفاعي-البصرة

في الصباح الباكر يخرج الطفل حسين من داره الواقعة في منطقة الشعيبة القريبة من آبار النفط متوجها إلى مركز مدينة البصرة، ليقف كعادته كل يوم في أحد التقاطعات يستعطف المارة للحصول على المال.

لا يعرف هذا الطفل ما الذي تعنيه النار المنبثقة من أعمدة الآبار القريبة من منزله، هو يراها كل يوم ويستنشق دخانها كما يستنشقه أهله وسكان منطقته، وربما حين يكبر سيعي أنه ولد فقيرا في مدينة غنية.

لم يكن حسين هو الطفل الوحيد الذي يتخذ الشارع مكانا للتسول إنما هناك العشرات من الأطفال -بنات وبنين- يملؤون الشوارع وسط صمت حكومي غريب لمعالجة هذه الظاهرة.

حاولنا التحدث مع الطفل حسين إلا أنه امتنع عن الكلام، وعرفنا من أحد أقرانه الذين يبيعون علب الورق الصحي في الشارع أنه يتيم ويعيل عائلته.

أبو صقر أحد المتسولين في مدينة البصرة العراقية (الجزيرة)

أبو صقر والشارع
لم تستطع الحكومة المحلية القضاء على ظاهرة التسول وانتشال الأطفال من الشوارع التي تهدد حياتهم، ولم تقدم لكبار السن دورا سكنية يمكن أن يجدوا فيها الراحة كما يقول أبو صقر (50 عاما) وهو أحد المتسولين الذين يعرفهم أهل المدينة.

يقول أبو صقر إنه وجد نفسه في الشارع في وقت مبكر من حياته بعدما توفي والداه ولم يتقبله أقرباؤه في بيوتهم فافترش الأرصفة وأخذ ينام على "دكات" المحال التجارية. 

ولا يبدو هذا الحال كناقوس خطر بالنسبة لأبو صقر، ويشعر بأن حياته تسير على ما يرام ويحصل على قوت يومه من الناس الخيرين.  

ويلفت ربيع علي (40 عاما) -معلم- إلى أن المتسولين ازدادوا في الفترة الأخيرة، خاصة بعد نزوح العديد من العوائل من المناطق الغربية التي تشهد معارك.

غجر ونازحون
وذكر صاحب بقالة -واسمه محسن علي- أن بعض المتسولين القريبين من محله -من الغجر- وعلى الرغم من طلبه منهم أن يتركوا المكان فإنهم أصروا على ممارسة التسول.

وطالب علي الحكومة المحلية بأن تخصص رواتب لأولئك المواطنين المتسولين تكفيهم شر السؤال وتمكنهم من العيش بكرامة. 

وتقر السلطات في المدينة بأن ظاهرة التسول ليست جانبا مشرقا من الحياة فيها، ووصف قائد شرطة محافظة البصرة اللواء فيصل العبادي الظاهرة بأنها "غير حضارية".

وأضاف للجزيرة نت أن هذه الممارسات لها مردود سلبي سواء في الجانب الأمني أو الجانب الاجتماعي بالبصرة وعموم العراق.

وأكد العبادي أن دوريات الشرطة تلقي القبض على كثير من المتسولين، لكن المشكلة أنه لا توجد أماكن حجز كافية تنطبق عليها مواصفات حقوق الإنسان وفقا للفترة التي يقررها القضاة حسب القانون.

البصرة من أغنى المدن العراقية بالنفط تاريخيا (رويترز)

خير كثير
وأشار إلى أن هناك خطة لفتح مشاريع صغيرة لمهن مثل النجارة والحدادة وغيرهما لتشغيل المتسولين، إلا أن المخصصات المالية في الوقت الحالي لا تكفي.

وبين قائد الشرطة أن هناك متابعة للمتسولين ويجري منعهم من التواجد في الشوارع، وهناك من ألقي القبض عليهم.

وأعرب عن خشيته من استغلال وجودهم من قبل الخارجين عن القانون لتنفيذ مآرب شريرة.

من جهة أخرى، يؤكد العبادي أن هناك من يتخذ من ظاهرة التسول وسيلة للرزق، حيث تم اعتقال أحد المتسولين بزي امرأة في البصرة وأحيل إلى القضاء للتحقيق معه. 

ويرى الناشط المدني محمد القاسم أن البصرة مدينة خير، ففيها من الموانئ أربعة، ومن الشركات النفطية الكثير، إلا أن أغلب السكان يعيشون تحت خط الفقر.

وبين القاسم أن منظمات المجتمع المدني في محافظة البصرة قدمت عدة مقترحات للحد من ظاهرة التسول، منها تأسيس دور رعاية لكبار السن المشردين، حيث لا يوجد في المدينة إلا دار رعاية واحدة لا تستوعب إلا خمسين نزيلا.

واقترح المتحدث حملات توعية للأسر بعدم زج أبنائها إلى الشوارع من أجل الحصول على المال، ودعا الحكومة المحلية إلى أن تكون جادة في القضاء على ظاهرة التسول، خاصة أن وجود المتسولين يعكس صورة سلبية لمدينة البصرة الغنية بالنفط والثروات الزراعية والحيوانية.

المصدر : الجزيرة