تمثل أسماء أبو الهيجا نموذجا فذا للأم الفلسطينية الصابرة المقاومة، فهي زوجة أسير قضى سنين طويلة ولا زال في الأسر، وأم شهيد وأسرى لا زال اثنان منهم يقبعان في سجون الاحتلال، وفضلا عن كونها أسيرة سابقة، فإنها تعاني المرض.

عاطف دغلس-مخيم جنين

تفطر قلب الأم أسماء أبو الهيجا (أم عبد السلام) بعد تلقيها خبر استشهاد ولدها "حمزة" في مثل هذا اليوم من العام الماضي، فهو من بذل قصارى جهده لزيارتها بينما كانت ترقد على سرير الشفاء في مستشفى جنين (شمالي الضفة الغربية)، ولكنه لم يفلح في ذلك نظرا لأنه كان مطلوبا لسلطات الاحتلال.

وكانت آخر كلمات سمعتها من ولدها الشهيد عبر الهاتف، "أمي سامحيني، لم أستطع إحضار هدية عيد الأم لك"، لتتلقى في اليوم التالي نبأ استشهاده.

وتقول أسماء (51 عاما)، إن استشهاد نجلها كان الهدية التي أراد تقديمها لها، وإن نجلها افتداها وافتدى وطنه بروحه، "وكانت تلك أغلى وأجمل هدية لي، والأجمل أنني لن أستطيع نسيانها طوال حياتي".

ويوم استشهاده كانت والدته تعالج من مرض السرطان، وقد مضت عليها شهور داخل المستشفى، ولم تتمكن من رؤيته، فقد طارده الاحتلال أكثر من عامين، وكان البحث عنه جاريا، وتعرّض لمحاولة اغتيال سبقت استشهاده بعام.

ملصق جداري لعائلة أبو الهيجا بعد استشهاد حمزة (الجزيرة)

سلسلة معاناة
لكن حمزة واحد فقط في سلسلة حلقات معاناة عائلة أسماء وزوجها الأسير الشيخ جمال أبو الهيجا القابع خلف قضبان الاحتلال، والذي قضى نحو 18 عاما في الأسر، كان أخطر هذه الاعتقالات عام 2002 إبان الاجتياح الإسرائيلي الشهير لـمخيم جنين والمجزرة التي تعرض لها.

ووجّه له الاحتلال اتهامات بالانتماء لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، والإعداد لعملية "صفد" الفدائية داخل الخط الأخضر التي قتل فيها تسعة إسرائيليين وجرح العشرات، وحكم عليه بالسجن المؤبد تسع مرات وعشرين سنة إضافية.

وكان الاعتقال "علامة فارقة لدى عائلة أبو الهيجا" أصاب أسماء بالحزن والألم، حيث أعقبته اعتقالات لجميع أفراد العائلة ذكورا وإناثا ومرات عديدة لكل منهم.

وتعرضت أسماء بعد أسر زوجها للاعتقال تسعة أشهر، تعرضت خلالها لصنوف عذاب يصعب وصفها بالكلمات.

أسماء أبو الهيجا وابنتيها ونجلها عبد السلام يشدون أزر بعضهم بعضا (الجزيرة)

محطات العذاب
وكان منزل العائلة وسط مخيم جنين قد تعرض لقصف صاروخي خلال الاجتياح الإسرائيلي فأصبح أثرا بعد عين.

وبعد قصف المنزل بفترة وجيزة داهمت قوات الاحتلال الإسرائيلي المنزل وأحرقته بالكامل لتحرق قلب أسماء وأطفالها الصغار.

ولكنها لم تستسلم لظلم الاحتلال وبطشه واستبداده، فثابرت على بث الحياة والتفاؤل في نفوس أفراد الأسرة رغم الجراح، فهي الأم والصديقة لزوجها وأبنائها المعتقلين الذين بقيت على تواصل معهم في المعتقلات تمدهم بالقوة والعزيمة.

ولا يستغرق جواب أحد داخل المخيم عندما يُسأل عن عائلة أبو الهيجا لحظات قبل أن يجيب: "إنها عائلة مجاهدة".

وبدا ذلك واضحا عبر صور وملصقات تعتلي جدران المنازل في المخيم لعائلة الشيخ وابنه الشهيد وأشقائه الأسرى، الذين لا يزال اثنان منهم هما عاصم وعماد يقبعان في سجون الاحتلال، ولافتات أخرى تهنئ العائلة بسلامة عبد السلام نجل أسماء الأكبر.

بنان أبو الهيجا تحاول التخفيف عن والدتها بالبقاء إلى جانبها (الجزيرة)

صمود وأمل
وكان الاحتلال قد أطلق سراح عبد السلام (ثلاثون عاما) قبل أيام قليلة بعد نحو عشر سنوات من السجن، "فكل مدة السجن لا تعادل شيئا أمام جزع أمي وقلقها علينا"، كما يقول للجزيرة نت.

ومن جانبها، قالت بنان أبو الهيجا -ابنة أسماء- للجزيرة نت إنها اعتقلت 23 يوما عقب اعتقال والدها، وكان هدف الاحتلال الضغط عليه وابتزازه في السجن.

وتحرص بنان -إلى جانب شقيقتها ساجدة- على البقاء إلى جانب أمها للتخفيف عنها ألم المصاب في ظل غياب الأب والأشقاء، رغم أنها متزوجة.

وبين المرض والاعتقال والغياب، تصر أم عبد السلام على الصمود وفتح باب الأمل أمام أولادها وأحفادها، كما صمدت دوما وهي تفتح باب المنزل عند طرق جنود الاحتلال، وتقول "كنت أمتص غضب الجنود المتوحشين وأدفع اعتداءات حتمية عن أولادي".

المصدر : الجزيرة