يضيف الحصار المفروض على غزة جانبا آخر لمعاناة القطاع الذي لا يزال يعاني من آثار الاعتداءات الإسرائيلية، تلك المعاناة تكاد لا تجد من يستشعرها فضلا عن تقديم يد العون، لكنها لا تغيب عن بال قطر.


حاوره في غزة: أحمد فياض

شكلت زيارة السفير القطري ورئيس اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة محمد العمادي بارقة أمل للفلسطينيين هناك. واعتبرت الزيارة -وهي الأولى من نوعها لمسؤول قطري منذ نحو عامين- خطوة فعلية لتحريك عجلة إعادة الإعمار.

وللوقوف على أهداف الزيارة وكافة القضايا المتعلقة بعملية إعادة الإعمار والعقبات التي تكتنف تفعيل مشاريع إعادة الإعمار القطرية، كان للجزيرة نت معه الحوار التالي:

 
 ما هدف زيارتكم لغزة؟ وهل واجهتكم أي عقبات في طريق وصولكم إليها؟

- الهدف الرئيسي من الزيارة هو العمل على إدخال المواد الخام من أجل مواصلة واستكمال مشاريع إعادة الإعمار القطرية القديمة والجديدة في غزة، ومتابعة العمل فيها على أرض الواقع. وبالنسبة لقدومنا إلى غزة فقد جاء ميسرا بعد تقديمنا طلبا عن طريق السلطة الوطنية الفلسطينية، وهي المرة الأولى التي نأتي فيها غزة بعد تعذر وصولنا عبر مصر منذ عامين تقريبا.


 إلى أين وصل العمل في مشاريع إعادة الإعمار القطرية؟

- المشاريع القطرية القائمة تسير بشكل جيد، ولكن في فترة تعرض غزة للحرب وما بعدها بأربعة أشهر، توقف دخول المواد الخام عبر مصر، وهو ما تسبب في تأخير العمل في المشاريع. ولكن مع ذلك يمكننا القول إن العمل في مشاريع إعادة الإعمار القطرية التي بدأت قبل عامين، يسير بشكل جيد.


 كيف وجدتم غزة هذه المرة بعد انقطاع زيارتكم المتكررة لها قبل نحو عامين؟

- في هذه المرة وجدنا حالة الناس قد تردت كثيرا نتيجة الحصار والعدوان الشديدين، وهو ما سيجعلنا أكثر إصرار على العمل من أجل التفريج عن أهل غزة، فالمشاكل فيها مركبة ومتعددة في الكثير من المجالات، فحال غزة قبل عامين كان أفضل بكثير مما هي عليه اليوم.

 كان واضحا أن قطر لم تتوان عن تقديم مساعداتها سواء قبل تعرض غزة لحملات العدوان الإسرائيلية أو أثناءها أو بعدها، أو حتى لدى تعرضها للكوارث الطبيعة، فما المحرك الذي يدفع الدوحة إلى مواصلة دعمها للقطاع بهذا الشكل؟

- فلسطين موجودة في قلب كل مسلم، وخصوصا غزة لأن وضعها مزرٍ بشكل كبير، ويجب على الدول العربية والإسلامية أن تحذو حذو قطر في دعمها، وهناك بوادر جيدة على هذا الصعيد، وحسب ما عرفته من المسؤولين الفلسطينيين في رام الله فإن المملكة العربية السعودية والكويت بدأتا بتوقيع اتفاقيات مع السلطة الفلسطينية من أجل إعادة إعمار غزة بنحو 200 مليون دولار، كما أن أميركا دفعت والاتحاد الأوروبي كذلك، فهناك انفراجة هذه المرة، ونشعر بأن المجتمع الدولي معنيّ بإعادة إعمار غزة هذه المرة.

 مشاريع إعادة الإعمار القطرية طالت كل مجالات الحياة تقريبا في غزة، فما الفلسفة التي تتبناها قطر في اختيار مشاريعها؟

- اختيارنا للمشاريع جاء بناء على احتياجات غزة، حيث اخترنا شق وتعبيد الطرق الرئيسية والفرعية لخدمة كافة سكان القطاع بلا استثناء، واخترنا بناء المساكن لأن غزة تعاني من نقص كبير يصل إلى 120 ألف وحدة سكنية، ناهيك عن المنازل التي تهدمت خلال الحروب الإسرائيلية الثلاث الأخيرة.

 أعلنتم فور وصولكم غزة عن تشييد ألف وحدة سكنية للمدمرة منازلهم جراء العدوان الأخير، فهل سيتم بناؤها في منطقة واحدة أم ستتوزع على كافة المناطق التي طالها التدمير؟
 
- الوحدات السكنية سيتم بناؤها في كافة المناطق التي طالها التدمير، وذلك استنادا إلى كشوفات وزارة الأشغال، بحيث يُدفع للمواطن دفعات مالية ويتم الإشراف القطري على تنفيذ إعادة بناء المنازل بالتنسيق مع وزارة الأشغال.

 معظم الدعوات منذ وصولكم غزة انصبت حول المطالبة بحل مشكلة الكهرباء، فهل لديكم تصور لحل هذه المشكلة؟

- نعم، أنا التقيت مطولا بوزيرين في الحكومة في غزة من أجل التباحث في مشكلة الكهرباء، واتفقنا على العمل على إيجاد حل جذري للمشكلة. وقطر تهتم بالكهرباء لأنها دفعت أكثر مائة مليون دولار من أجل شراء الوقود خلال السنوات الثلاث الأخيرة وحل المشكلة، ومع ذلك لم تحل، فمحطة توليد الكهرباء في غزة تعمل بنصف طاقتها وتعاني من مشاكل فنية كثيرة، فمثلا محولاتها تحول فقط 70 ميغاواتا من كمية الكهرباء المولدة والبالغة 140 ميغاواتا، وهو أمر لا يدخل عقل بشر.

وعليه فإن الحلول من وجهة نظرنا تكمن في إمداد المحطة بالغاز الطبيعي، لأن تكلفة تشغيلها بالغاز من أجل إنتاج 140 ميغاواتا تكلف ثلاثة ملايين دولار في الشهر، بينما يستهلك تشغيلها بالبترول عشرين مليونا شهريا.

 متى يمكن أن تتم قطر مشاريع إعادة الإعمار القديمة والجديدة في غزة؟


- إذا ما دخلت المواد الخام سننتهي خلال عامين، فليس لدينا مشكلة في إنجاز المشاريع لأن غزة تتمتع بميزة غير متوفرة في أي بلد آخر وهي أن الكوادر الفنية والهندسية لديها مهارات ممتازة في مجالي جودة الأداء وسرعة الإنجاز، وهو بخلاف المشاريع القطرية التي تنفذ في دول أخرى حيث يتأخر إنجاز المشاريع لعامين أو ثلاثة بسبب غياب الأيدي الماهرة.

 بالنسبة لمنحة المليار دولار التي تعهدت بها الدوحة في مؤتمر إعادة الإعمار الأخير، هل سيتم العمل بها أسوة بآلية مشاريع إعادة الإعمار القديمة التي تشرف عليها اللجنة القطرية لإعادة الإعمار؟

- نعم، الغالبية العظمى من المشاريع ستشرف على تنفيذها اللجنة، وجزء بسيط من المبلغ سينفذ عن طريق السلطة الفلسطينية، وأول مبلغ تم دفعه للسلطة هو 25 مليون دولار والسلطة شرعت في التنفيذ.

 هل يوجد لديكم تصور كيف سيكون وجه غزة بعد إتمام الدوحة مشاريع إعادة إعمارها القديمة والجديدة مجتمعة؟

- الحقيقة، وجهها سيتغير.. لاحظ كيف تغيرت معالم قطاع غزة بعد شق شارعي البحر وصلاح الدين اللذين يعتبران شرياني القطاع حتى قبل اكتمالهما، فمثلا أهل غزة لا يملكون إلا البحر للاستجمام، والجزء الذي تم إنجازه من الشارع بات مريحا جدا، وإلى أن يكتمل شق الشارع وصولا إلى أقصى جنوب القطاع وذلك بالتوازي معه شارع صلاح، فإن ذلك سيقود إلى نقلة نوعية. وأنا على يقين بأن كل مواطن في غزة سيلمس مدى انعكاس المشاريع القطرية على تغيير وجه غزة بالكامل سواء على صعيد التنقل أو السكن أو الاستجمام.

 كيف تنظرون إلى حالة التردد التي تكتنف الكثير من الدول بشأن إعادة إعمار غزة، خصوصا في ظل التعلل بالظروف الداخلية الفلسطينية، أو مسألة النظر إلى عدم الجدوى من الدعم في ظل تكرار عمليات العدوان الإسرائيلي؟

- أولا، مشاريع إعادة الإعمار ليست مرهونة بأي مشكلة، فنحن عندما جئنا لإعادة الإعمار لم تعترض إسرائيل على ذلك لأنها لا تشكل أي إشكالية. ثانيا، نحن نريد أن نعمر ولا نتدخل في الشأن السياسي، فالمناكفات السياسية الداخلية والمناوشات الكلامية بين حركتي حماس وفتح لا نتدخل فيها، لأن هدفنا إنساني وهدفنا خدمة أبناء الشعب الفلسطيني في غزة.

 بدت تصريحاتكم بشأن إعادة إعمار غزة متفائلة، فما مبعث هذا التفاؤل؟

- دخولنا غزة معناه أن لدى السلطة الفلسطينية إرادة من أجل إعادة إعمار غزة، كما أنه خلال مقابلاتنا لمسؤولين من الجانب الإسرائيلي لمسنا أن هناك تجاوبا من أجل إدخال المواد، وهو ما ترجمه الجانب الإسرائيلي بالسماح بدخول دفعتين من مادة الإسمنت.


  كيف انعكس إغلاق معبر رفح على بروتوكول إمداد غزة بالمواد الخام اللازمة لمشاريع إعادة الإعمار القطرية من مصر؟

- بلا شك انعكس سلبا ليس على صعيد تأخير إنجاز المشاريع فحسب، ولكن على صعيد التكلفة أيضا فالمواد الخام التي سبق أن كانت تدخل من مصر خصوصا مادتي البسكورس والحصى اللازمتين في تعبيد الشوارع، تبلغ تكلفة الطن منها عبر مصر نحو عشرة دولارات، بينما تكلفة شرائها عبر إسرائيل تصل إلى ثلاثة أضعاف تكلفته من مصر، ومنذ شهور طويلة أوقفت مصر العمل بالبروتوكول تماما، وأوقفت تصاريح مرورنا إلى غزة.

 هل ما زالت هناك اتصالات مع القاهرة بشأن بروتوكول إدخال المواد الخام إلى غزة والذي سبق أن وقعته الحكومة المصرية مع الدوحة عام 2012؟

- لا، فالقاهرة أوقفت العمل بالبروتوكول، حتى إن ما تبقى من مبالغ مالية تقدر بنحو 122 ألف دولار وعدت القاهرة بإرجاعها، ولكنها لم ترجعها حتى الآن.


 هناك من ينظر بعين الريبة إلى زيارتكم لغزة عبر البوابة الإسرائيلية؟

- أجبتك عن هذا السؤال، لم نحصل على تصريح بالمرور إلى غزة من الجانب المصري، فكيف أصل إلى غزة؟ هل آتي من السماء؟ ليس هناك سوى بوابتين إما مصر أو معبر إيريز (بيت حانون)، فمصر لم تمنحنا تصريحا رغم محاولتنا منذ عامين، فاضطررنا للمجيء عبر المعابر الإسرائيلية.

 تزامنت زيارتكم لغزة مع زيارة نائب وزير الخارجية النرويجي الذي رعت بلاده مع القاهرة مؤتمر إعادة الإعمار الأخير، هل كان للدوحة تنسيق مع النرويج فيما يتعلق بالبدء بتحريك عجلة إعادة الإعمار؟

- هناك تنسيق مستمر، فمنذ مؤتمر إعادة الإعمار وإلى هذه اللحظة تنسق الخارجية القطرية مع كافة الأطراف من أجل إعمار غزة، وهناك نتيجة جيدة لهذه الاتصالات، فهناك دول كثيرة بدأت تتحرك، ونحن من جانبنا أخذنا على عاتقنا البدء الفعلي بإعادة الإعمار ووضعنا الميزانيات من أجل تشجيع الدول على المجيء لإعمار غزة.

 ما أبرز المميزات التي تمتاز بها مشاريع إعادة الإعمار القطرية عن غيرها من المشاريع التي تمولها الدول العربية عبر آلية الأمم المتحدة أو من خلال مؤسسات إقليمية أو دولية أخرى؟

- سياسة دولة قطر في تنفيذ مشاريع المنح والهبات في كل دول العالم أن يتم تنفيذها عبر قطر ذاتها، لا عبر أي جهة أخرى. وهذا الأمر في غزة سيعود بالنفع على أهلها، فتكلفة إشرافنا على المشاريع لا تتعدى 2% من تكلفة مجمل المشاريع بما في ذلك المصاريف الإدارية وأجور المهندسين، في حين أن الدول الأخرى -وخصوصا تلك التي تنفذ مشاريعها عبر شركاتها- ترتفع قيمة إشرافها على تنفيذ مشروعاتها بنسب كبيرة، لأن شركاتها تعين لها مقاولين من الباطن في غزة، وهو ما يجعل جزءا كبيرا من المنحة يذهب إلى هذه الشركات. وبالتالي فإن تكلفة الإشراف القليلة تعود بالنفع على غزة وأهلها وتشغيل أكبر قدر ممكن من الأيدي العاملة.


هل ستكون هناك زيارات مرتقبة لغزة. وما هدفها؟


- بالتأكيد سيكون هناك المزيد من الزيارات الدورية من أجل متابعة تنفيذ المشاريع، وأزيدك من الشعر بيتا: نحن قدمنا من الدوحة وبحوزتنا صندوقان من الأوراق المالية من أجل مطابقتها مع البنوك في غزة، فمَنعُنا من الوصول إلى غزة حال دون إجرائنا مراجعات مالية مع البنوك، وكي نحافظ على استمرار العمل في المشاريع بشكل سليم نحتاج دخول غزة كل شهرين أو ثلاثة لمدة أسبوع من أجل القيام بمهامنا الإدارية والمالية.
 
ما أبرز المحاور التي ستبحثونها مع المسؤولين الفلسطينيين برام الله في طريق عودتك إلى الدوحة؟

- سأناقش مع رئيس الحكومة رامي الحمد الله عددا من القضايا التي سبق أن تحدثنا بشأنها قبل قدومي إلى غزة، وهي إعفاء المشاريع القطرية من الضرائب المفروضة على إدخال المواد الخام، ومشكلة إمداد غزة بالكهرباء، وتسهيل دخول مسؤولي اللجنة القطرية لإعادة الإعمار إلى غزة، ومسألة كيفية استغلال واستخراج الغاز الطبيعي من قبالة شواطئ غزة كي يستفيد منه أهلها، ومواضيع أخرى.

المصدر : الجزيرة