شعوب الغرب ضاقت ذرعا بالرأسمالية. ذلك مضمون رسائل بعثت بها حشود غاضبة قدمت إلى قلب فرانكفورت الألمانية من دول أوروبية عديدة، لتمجيد أحزاب اليسار ورفض سياسات الإفقار والتقشف وإملاءات الدائنين الدوليين.

خالد شمت-فرانكفورت

خصص البرلمان الألماني جلسة اليوم الخميس لمناقشة الاحتجاجات الواسعة التي صاحبت افتتاح المقر الجديد للمصرف المركزي الأوروبي أمس الأربعاء بمدينة فرانكفورت.

وكانت الاحتجاجات التي لفتت الأنظار لضخامتها أثارت جدلا سياسيا بعد حصول أعمال شغب واحتكاك بين الشرطة والمتظاهرين.

وشارك نحو 17 ألف شخص قدموا من 14 دولة أوروبية في مظاهرة جابت قلب فرانكفورت تعبيرا عن رفض الرأسمالية وسياسات الاتحاد الأوروبي بخصوص أزمة الديون السيادية.

وبدأت الاحتجاجات بأعمال شغب واسعة وأسفرت عن إصابة أكثر من مائتي شرطي ومتظاهر وإحراق سيارات للشرطة واعتقال أكثر من 300 متظاهر بالمدينة الألمانية التي تعد عاصمة أوروبا الاقتصادية.

وعبر المشاركون بمظاهرة المساء عن تضامنهم مع اليونان في مواجهة إملاءات مجموعة الدائنين الدوليين المكونة من المفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي.

كيبينغ: انتخاب سيريزا باليونان يفتح نافذة لتغيير سياسة أوروبا الاقتصادية (الجزيرة نت)

بطالة وفقر
واتهم المحتجون المركزي الأوروبي باتباع سياسة الفقر والبطالة على نطاق واسع بدول جنوب أوروبا، وإفقادها سيادتها.

ورفع المشاركون بهذه المظاهرة -التي شارك فيها تسعون منظمة أوروبية - لافتات تنتقد سياسة التقشف التي تتبنى حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فرضها على دول القارة المأزومة اقتصاديا. كما حملوا لافتات تدعو للتضامن الأوروبي وتهاجم النظام الرأسمالي وتتهمه بخلق هذه الأزمات.

وقد أشعل المتظاهرون سيارات شرطة ومتاريس أقيمت حول المقر الجديد للبنك المركزي الأوروبي الذي بلغ ارتفاعه 185 مترا ووصلت تكلفته 1.3 مليار يورو.

في المقابل، أدان سياسون واقتصاديون أعمال الشغب، فيما عبر آخرون عن تفهمهم لغضب المتظاهرين بالرغم من رفضهم التعدي على الشرطة.

وأدانت رئيسة حزب اليسار المعارض كاتيا كيبينغ أعمال العنف التي وقعت معتبرة أنها خالفت مطالبة حركة "بلوكوبي" التي نظمت المظاهرة للاحتجاج ضد الدائنين الدوليين والدور المؤثر للحكومة الألمانية بفرض سياستها التقشفية على اليونان ودول أوروبا المتضررة من الأزمة المالية.

وقالت للجزيرة نت إن "السياسة المالية في أوروبا غير اجتماعية وتسببت في انتشار الفقر والبطالة في القارة".

المتظاهرون قدموا من دول أوروبية مختلفة لرفض سياسات الرأسمالية (الجزيرة نت)

سيريزا وبوديموس
وعبرت كيبينغ عن سعادتها بنجاح حزب سيريزا في الانتخابات اليونانية الأخيرة وتشكيله حكومة استطاعت رفض سياسة الدائنين وفتحت الباب أمام إمكانية تغيير السياسة المالية الأوروبية.

وتمنت فوز حزب بوديموس اليساري الإسباني في الانتخابات البرلمانية حتى يسير على نهج سيريزا اليوناني.

وتحدث خلال المظاهرة المناهضة للبنك المركزي الأوروبي برلمانيون من الدول التي ضربتها الأزمة المالية.

وطالبت نقابية إيطالية بأن تكون أوروبا لمواطنيها وليس للمصارف الكبري والدائنين، ودعت لإعلان الحرب على سياسة إفقار دول جنوب القارة.

وقال ميغول أوربان -وهو أحد مؤسسي حزب بوديموس الإسباني- إن سياسات البنك المركزي الأوروبي تسببت في إفقار ستة ملايين شخص من مواطنيه وحولهتم لعاطلين عن العمل.

يشار إلى أن العديد من وسائل الإعلام منعت من تغطية الحدث، حيث لم يحضر الافتتاح سوى إذاعة واحدة ومجموعة من وكالات الأنباء اختارها المصرف.

المحتجون حملوا لافتات تدين سياسات ميركل والبنوك الأوروبية (الجزيرة نت)
سخط متنام
وقد انتقدت "بورصة الكتاب" الألمانية هذا الإجراء معتبرة أن المصرف أعاق تكوين الرأي ومنع حرية الصحافة.

من جانبه قال المحلل ببورصة فرانكفورت للأوراق المالية الطيبي السعداوي إن مشاركة أعداد كبيرة نسبيا من الأوروبيين في الاحتجاجات أمر طبيعي في ضوء الأزمة الراهنة بين الاتحاد الأوروبي واليونان.

وقال إن هذه الاحتجاجات تعكس سخط شرائح متنامية من الأوروبيين تجاه سياسات المصرف المركزي ومجموعة الدائنين الدوليين.

لكنه استبعد في حديث للجزيرة نت تأثر السياسة الاقتصادية الأوروبية بهذه الاحتجاجات، وذلك لأن ألمانيا وفرنسا تفضلان أن يلعب المصرف المركزي دورا متزايدا لمواجهة تداعيات الأزمة الحالية.

وأوضح السعداوي أن المصرف المركزي مستمر في برنامجه الجديد لخفض عملة اليورو من خلال طبع المزيد منها، وإطلاق برنامج ضخم بأكثر من تريليون يورو لشراء سندات الدول الأوروبية المأزومة بضمان مالي وليس استنادا لقيمتها الحقيقية.

المصدر : الجزيرة