وراء كل لاجئ سوري قصة، وتتعدد تلك القصص بعدد اللاجئين، قد تختلف التفاصيل، وتظل المعاناة واحدة وإن تفاوتت من لاجئ إلى آخر، لكن معاناة اللاجئة السورية إلى لبنان مرام بحلاق تلخص نموذجا لرحلة الهروب من الموت بوقائعها المؤلمة.

أسامة العويد-عكّار شمال لبنان

خلف ابتسامة السيدة السورية مرام بحلاق اللاجئة إلى لبنان معاناة طويلة، تتنوع فصولها، بداية من النزوح من منزل الأسرة في شارع الستين بمدينة حمص، مرورا برحلة اللجوء القاسية إلى لبنان.

تتذكر الشهور الأولى للثورة عندما كانت في غرفة المطبخ ببيت الحاج محمد بلحاق المقعد وزوجته المريضة، تطهي طعام الغداء وترمي ببصرها إلى الشارع الصاخب بالأصوات المطالبة بإسقاط النظام السوري، حيث ستخرج في مسيرة مع أخيها في شهر مارس/آذار 2011.

تقول مرام "تمر الأيام، وتُقمع المظاهرات، وينشط الحراك المسلح، ويشتد قصف قوات النظام على شارع الستين، وفي عصر يوم السادس من يوليو/تموز 2011 سمعنا صوت مطرقة تدق حائط البيت الخارجي، وسمعت صوت أحد الثوار، فهرعت للخارج، فأخبرني أنه لا بد لنا من الخروج الفوري فقوات النظام باتت قريبة جدا وتجتاح البيوت بشكل وحشي".

محي الدين عكاري ومرام بحلاق وهي تتجهز للذهاب لجلسة علاج (الجزيرة نت)

نزوح يتبعه لجوء
وتتابع "حضّرنا بعض الملابس والأوراق وخرجنا بمعاونتهم حتى وصلنا إلى شارع أكثر أمناً، وكان ذلك أول نزوح لنا داخل حمص بحي الخضر، ثم إلى جورة الكلاسة، ثم عدة أماكن أخرى هرباً، فرائحة الموت في كل مكان".

ظلت مرام وأسرتها تتنقل على مدار عام كامل من مكان إلى آخر، فبعد قصف الخالدية هربوا إلى البياضة، ومع اشتداد القصف هناك نزحوا إلى الشام، وهناك كانت حواجز النظام كثيرة، "وعند معرفتهم أننا من حمص ينهالون علينا بالسباب والشتائم والتهديد، إلى أن وصلنا إلى منطقة تدعى السفينة، وبعد تعرضها للقصف تركنا الغرفة التي كنا نسكنها وهربنا إلى إحدى المدارس، وأمّن لنا أهل الخير منزلا في أبريل/نيسان 2013".

تتنهد مرام وهي على كرسيها المتحرك، وتقول "في السابع من مايو/أيار عام 2013 خرج أخي لشراء بعض احتياجاتنا وقصف المنزل، وسقطت أول قذيفة خلف والدي، وتناثرت الأشلاء، وكنت لا أرى سوى الغبار والدماء، ولم أستطع الوقوف، لم أفقد الوعي. ومرت القذيفة بجانب أذني وضربت من ورائي، صوتها لا يزال في أذني حتى الآن، كانت الدماء تسيل من جسدي وقدمي، هرع الجيران ونقلوا بعضنا إلى مستشفى المواساة والآخرين إلى الأسد الجامعي".

وحول العلاج هناك، قالت "لأننا لم نكن موالين لبشار همّشونا ونظفوا الجرح من دون بنج. كانت إصابتي في قدمي قوية جدا، ومكثت ثلاثة أيام أتألم، وعلمت أن أبي وأمي وزوجة أخي وابنتها الصغيرة استشهدوا، أما أختي الكبيرة فقد ماتت متأثرة بجراحها بعدما نقلت إلى مشفى آخر.. ماتت عائلتي".

 مرام تغالب دموعها وهي تتذكر مقتل أفراد عائلتها (الجزيرة نت)

علاج عقابي
تسكت مرام برهة، ثم يتفجر الدمع من بين كفين غطا وجهها المتعب، وتضيف" طردونا بعد ثلاثة أيام من الإهمال، وتأزمت حالتي الصحية، فنقلني أخي المتبقي على قيد الحياة إلى مستشفى ميداني في دمشق، فأجريت بعض العلاجات، ومن ثم قررنا اللجوء إلى لبنان، وعند الحدود كانت المفاجأة حيث طالعنا أمن الحدود أن علينا مراجعة الأمن السياسي لإنهاء بعض الأمور، ولا يحق لي الخروج لأني مصابة".

ذهبت مرام بصحبة أخيها إلى فرع الأمن السياسي، "وهناك تم التحقيق معي، ورأيت نسوة كثيرات يضربن ويعذبن، وحتى يغتصبن، أما الشباب وعويلهم فكان يدوي في المكان، فلم أستطع أن أتكلم بكلمة، فأنا في وضع صحي مؤلم، وهمي هو الخروج من هذه الدوامة، وبعد دفع الكثير من الأموال هنا وهناك استطعت اللجوء إلى مدينة طرابلس بلبنان، ومنها إلى مخيم الزيتون الآن في منطقة المحمرة، واليوم أنا كما ترون".

وحول الوضع الصحي لمرام، يقول مسؤول ملف الجرحى في اتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية في مدينة طرابلس محي الدين العكاري إنها تحتاج إلى عدة عمليات "في قدميها المهشمتين، فعندما وصلت إلى لبنان وكشفنا على جروحها وجدناها متعفنة، ويبدو أنها لم يتم إسعافها جيداً، وأمورها اليوم في تحسن، ونعمل على تقديم كل ما يلزم".

المصدر : الجزيرة