لا يختلف مصريون علّقوا في مواقع التواصل الاجتماعي على الحكم السريع بالسجن ثلاثة أعوام لقاتلي كلب في القاهرة، على ضرورة الرفق بالحيوان ومعاقبة من يقتله، لكنهم يطلبون الشيء نفسه -على الأقل- للإنسان المصري، رفقا به وقصاصا من قاتله.

أنس زكي

قبل أن يكتمل مرور أسبوع ثان على وقوع الجريمة، كان حكم القضاء قد صدر، ليثير مزيدا من الدهشة في بلد يشكو منذ عقود مُرّ الشكوى من بطء التقاضي وتأخر العدالة، فضلا عن القصاص من قتلة البشر.

عندما كانت الجريمة فسادا عاث عقودا في ربوع مصر وأعادها قرونا إلى الوراء، وقتلا نال من المئات من شبابها الذين ثاروا في يناير/كانون الثاني 2011 من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، احتاج القضاء إلى ثلاث سنوات كاملة قبل أن يصدر حكمه النهائي على الرئيس الذي خلعته الثورة.

وفضلا عن أن الحكم على حسني مبارك جاء في البداية بالسجن المؤبد ثم انتهى إلى البراءة، سواء في قتل المتظاهرين أو تصدير الغاز لإسرائيل أو قضية فساد تتعلق بتجهيز قصور رئاسية، فإن المثير أن قضايا كهذه، وفي ظروف ثورية غير مسبوقة، ظلت تتأرجح في أروقة القضاء على مدى ثلاث سنوات.

أما جنحة قتل كلب في أحد شوارع القاهرة، فقد تنادت إليها الشرطة لتقبض على الفاعلين وتحيلهم سريعا إلى النيابة التي قضت بحبسهم أربعة أيام، وأحالتهم بشكل عاجل إلى القضاء الذي لم يكن بحاجة إلا إلى جلسة واحدة ليحكم بالسجن ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ على ثلاثة من المتهمين الحاضرين، ومثل ذلك على شريك رابع هارب.

الإعلام المصري خصص جزءا كبيرا
من وقته واهتمامه لجريمة ذبح الكلب (ناشطون)

اهتمام إعلامي
وكان الإعلام المصري قد خصص جزءا كبيرا من وقته واهتمامه لهذه الجريمة منذ انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي لقطات مصورة تظهر شبانا وهم يقتلون كلبا باستخدام أسلحة بيضاء على خلفية قيامه بعقر أحدهم وما نشأ عن ذلك من خلافات مع صاحبه.

وازداد الإعلام انشغالا بعد ذلك بمتابعة تطورات القضية بشكل اعتبره البعض أمرا إيجابيا يعكس ما يأمر به الدين وتوجبه مكارم الأخلاق من الرفق بالحيوان، لكن آخرين رأوا فيه رغبة في إلهاء الرأي العام بقضايا فرعية عما يعانيه المصريون من صعوبات معيشية وما تمر به البلاد من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية.

واليوم بعد أن صدر الحكم، توالت الإشادات به من الإعلام المؤيد للسلطة، فأبرزت صحيفة الأهرام العريقة تصريحات لرئيس جمعية الرفق بالحيوان يشيد فيها بالحكم ويشكر القضاء "لأنه لم يتأخر في إصداره"، مع أنه "عادة ما يتأخر في إصدار الأحكام نظرا لكثرة القضايا التي تنظر أمامه".

لكن مواقع التواصل كان لها رأي آخر، حيث حضرت فيها المقارنة بين هذا الحكم وأحكام أخرى صدرت أو لم تصدر، فمع التأكيد على أهمية الرفق بالحيوان لفت كثيرون إلى المفارقة الواضحة لكون هذا الحكم يصدر عن قضاء تجاهل إدانة المجرم في مئات من حالات القتل وآلاف من حالات التعذيب التي شهدتها مصر في الفترة الأخيرة.

آلاف الضحايا منذ الانقلاب العسكري
لم يُقتص من قاتليهم (الجزيرة)

مقارنة ومفارقة
واختار معلق تساؤلا ذا مغزى عندما كتب على الفيسبوك "قتل كلب أو تعذيبه جريمة لا شك، ولكن هل ترونها تقل عن قتل إنسان أو تعذيبه؟"، بينما اختار هاني الإشارة إلى أن "كل اللي عذبوا البني آدمين حتی الموت ما فيش حد فيهم أخذ حتی ساعة حبس"، قبل أن يختم بالدعاء علی "المفتري ومن يؤيده".

أما شاهيناز فتساءلت: ماذا عن "اللي بيقتلوا البني آدمين وبيغتصبوا البنات؟ عادي؟".

أما خالد فذهب إلى السخرية المريرة عندما كتب تحت عنوان "ليتني كنت كلب الهرم"، مشيرا إلى الفرق بين القصاص للكلب وتجاهل القصاص لمئات وربما آلاف القتلى في مصر، ومؤكدا أن "الوحشية التي تعرض لها -وهي مرفوضة بطبيعة الحال- ليست سوى نتيجة لأجواء استحلال التعذيب والقتل ضد الإنسان التي سادت في المجتمع المصري منذ شهور طويلة".

وذهبت منال أيضا في طريق السخرية، فقالت إن الكلب القتيل حصل على حقه قبل مرور شهر على قتله، وهو ما لم يحصل عليه الآدميون، وبالتالي "مفروض الناس تبطّل تشتم بعضها بابن الكلب، ومن حق الكلاب تشتم بعضها بابن البني آدم".

ولم يكتف المعلقون بالمقارنة مع حوادث قتل جرت في مصر سابقا، وإنما اختار أحدهم التعليق على خبر نشر اليوم عن استغاثة سجناء برج العرب من انتهاكات بشعة يتعرضون لها، قائلا "لو كانوا كلابا لاستمع البعض لشكواهم واستغاثتهم".

ولم يختلف الحال في تويتر عنه في الفيسبوك، حيث كتب حساب محمد سيف الدولة "بعد القصاص للكلاب ووفقا لنظرية داروين في تطور الكائنات، فإن هناك أملا كبيرا بأن يتم القصاص للبني آدميين بعد مليون سنة"، بينما قال حساب آخر إن "من يقتلون كلبا يُسجنون، ومن يذبحون آلاف البشر يصلون إلى أعلى المناصب".

المصدر : الجزيرة