أثار اغتيال نيمتسوف قرب الكرملين قبل أيام من ترؤسه مسيرة للمعارضة تساؤلات بشأن دلالات الزمان والمكان. وبينما تؤكد المعارضة وقوف النظام خلف الحادثة يتوقع بعض المراقبين أن يكون وراء التصفية مخطط لتوريط بوتين وسط توتر علاقات موسكو مع الغرب.

أشرف رشيد-موسكو

أثارت حادثة اغتيال المعارض الروسي البارز بوريس نيمتسوف في العاصمة موسكو على يد مجهولين الكثير من ردود الأفعال داخل البلاد وخارجها، وطرحت تساؤلات عن الجهة التي تقف وراءها والتهديدات التي تواجه الخصوم السياسيين للنظام.

وكان المعارض نيمتسوف قد اغتيل في ساعة متأخرة من ليل السبت الماضي على يد مجهولين أطلقوا عليه النار من سيارة أثناء تجوله على جسر بالقرب من الكرملين وسط موسكو دون أن يستهدفوا السيدة التي كانت برفقته.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سارع لإدانة الحادثة بشدة، معتبرا أنها جريمة وحشية تحمل جميع مواصفات العمل الاستفزازي المأجور، وأمر بفتح تحقيق تحت إشرافه المباشر.

وسائل الإعلام الروسية تناولت هذا النبأ باهتمام بالغ، فقد غيرت قنوات التلفزيون برامج البث لتسلط الضوء على تطورات الحادث بمزيد من التفاصيل.

وتصدر الحدث الصحف الغربية، حيث وضعته في خانة الاغتيالات السياسية التي وقعت في السابق في ظروف غامضة مثل ما حصل مع عميل الاستخبارات الروسية المنشق ألكسندر ليتفيننكو، والصحفية المعروفة بمعارضتها سياسات الكرملين في الشيشان أنا بوليتكوفسكايا.

وكان نجم نيمتسوف قد لمع في التسعينيات بعهد الرئيس السابق بوريس يلتسين، حيث تولى منصب حاكم إقليم نيجني نوفغورود ثم أصبح وزيرا للطاقة، كما شغل منصب النائب الأول لرئيس الوزراء.

كما كان نيمتسوف أحد أعضاء مجلس الأمن القومي حتى ذهب البعض للاعتقاد أنه من أقوى المرشحين لخلافة الرئيس يلتسين، لكنه تحول إلى معارض بعد تولي بوتين مقاليد السلطة.

وأسس نيمتسوف عدة أحزاب معارضة كان آخرها اتحاد الحزب الجمهوري الروسي و"حرية الشعب".

ريجكوف: الاغتيالات السياسية تعود لروسيا من جديد (الجزيرة نت)

ضغوط واتهامات
وقد عرف عن نيمتسوف أنه كان من أشد المعارضين لترشح الرئيس بوتين لولاية رئاسية ثالثة، ووجه انتقادات لاذعة للحكومة بسبب النفقات الباهظة وشبهات الفساد التي رافقت التحضيرات لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي العام الماضي.

وقد واجه ضغوطا واتهامات بالخيانة والعمالة للغرب بسبب معارضته تدخل روسيا في شبه جزيرة القرم.

وكان من المقرر أن يقود نيمتسوف اليوم (الأول من مارس/آذار 2015) تظاهرة حاشدة تنظمها المعارضة في موسكو احتجاجا على الأزمة الاقتصادية التي تمر بها روسيا.

زعيم الحزب الجمهوري الروسي المعارض ميخائيل كوسيانوف قال في أول تعليق له من مكان الحادث إن ما جرى هو عملية تصفية جسدية، وإن هذا هو الثمن الذي دفعه بوريس نيمتسوف لنشاط امتد على مدى سنين عديدة، آملا في أن تصبح روسيا دولة حرة ديمقراطية تصان فيها حقوق الإنسان.

أما المعارض فلاديمير ريجكوف -وهو أحد مؤسسي الحزب الجمهوري- فقد علق على الحادث قائلا إن "اغتيال نيمتسوف جرى بدافع سياسي وأصابنا بالصدمة، فقد بدأنا ننسى الاغتيالات السياسية وها هي تعود إلينا من جديد بعد أعوام من الهدوء".

وقال إن "الجريمة وقعت تحت أسوار الكرملين، وهذا له صلة بما يحدث في البلاد وبأجواء الكراهية التي تبثها السلطات الحالية، وبالافتراءات التي تنشرها عن "الطابور الخامس".

أخوندوف: العملية تم تدبيرها بحيث تتوجه أصابع الاتهام نحو الكرملين (الجزيرة نت)

توريط بوتين
في المقابل، يقول المحلل السياسي أراز أخوندوف إن من يقف وراء الاغتيال يريد توريط نظام بوتين لأن الجريمة حصلت قرب الكرملين وقبل أيام من تنظيم تظاهرة للمعارضة.

ومن شأن حادثة الاغتيال إثارة أجواء من الشك في أن السلطات الحالية هي المستفيدة والمنفذة، خاصة أن الأزمة الاقتصادية تجعل الظروف مواتية لزرع بذور الفتنة في ظل حالة الاستياء الشعبي، وفق تقديره.

وفي حديث للجزيرة نت، أشار أخوندوف إلى أن نيمتسوف المعروف بنهجه المؤيد للغرب اغتيل في ظل حالة من التوتر تمر بها العلاقات الروسية الغربية على خلفية الأزمة الأوكرانية، مما يعني أن العملية تم تدبيرها بحيث تتوجه أصابع الاتهام مباشرة نحو الكرملين.

وأضاف أن التيار المعارض الذي يمثله نيمتسوف لم يكن يقلق الكرملين لأنه لا يحظى بشعبية تذكر "وهذا ما أكدته نتائج الانتخابات البرلمانية عام 2011 إذ لم تتمكن الأحزاب الليبرالية مجتمعة من الحصول على الحد الأدنى من الأصوات اللازمة لدخول البرلمان".

وقال إن السلطات تدرك جيدا أن اغتيال نيمتسوف سوف يعيد الزخم أكثر للمعارضة الليبرالية ويسلط الأضواء عليها من جديد بعد أن باتت شعبيتها في الشارع شبه معدومة، وفق تقديره.

المصدر : الجزيرة