يبدو أن حصار المناطق وتدفيع المدنيين ثمن الصراع لم يعد حكرا على النظام السوري، فتنظيم الدولة الإسلامية اخترق هذا المجال وبات يحاصر أحياء تابعة للنظام بدير الزور، ويسمح فقط بالخروج منها لأنها "بلاد الكفر".

ياسر العيسى-دير الزور

يروي منير -وهو سوري من دير الزور- كيف منعه تنظيم الدولة الإسلامية من العودة إلى حي القصور الذي يسيطر عليه النظام في المدينة ويحاصره التنظيم، بعد زيارته ابنته في مدينة الرقة، مبررا ذلك بأن الحي "بلاد كفر".

ويضيف أن حصار التنظيم ترافق مع قطع الاتصالات بجميع أنواعها، مما "جعلنا في عزلة عن العالم الخارجي، فبعد خروجي من معبر الجنينة المائي تم توقيفي مطولا من قبل حاجز الجنينة التابع لتنظيم الدولة والمتواجد على بعد أمتار قليلة من النهر".

ويتابع منير أن عناصر الحاجز حذروه بأن لا عودة إلى الحي، ولن يسمحوا له بالدخول مرة أخرى مهما كانت الأسباب، وأشار إلى أنه قلق على أسرته، ولا يعلم مصيرها أو كيف تدبر أمورها، وأضاف أن "أسرتي تعيش على راتبي وراتب زوجتي التقاعدي، لكن إلى الآن لم يحصل أي منا على راتبه، بسبب غياب شبكة الاتصالات والإنترنت".

معبر الجنينة كان يعج بالمدنيين والآن شبه فارغ (الجزيرة)

بلاد الكفر
ودخل حصار تنظيم الدولة للأحياء التي تسيطر عليها قوات النظام في دير الزور أسبوعه الرابع، في ظل ازدياد معاناة المدنيين القاطنين فيها بحسب عدد من السكان، مؤكدين أن الحال وصل إلى درجة "الحصار القاتل".

البداية كانت في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، عندما أعلن تنظيم الدولة منع دخول المدنيين والبضائع والمواد الغذائية إلى مناطق النظام، دون توضيح الأسباب، مكتفيا بعبارة "يمنع الدخول إلى بلاد الكفر، والسماح بالخروج منها فقط".

وقبل نحو شهر، كان هناك معابر للراغبين بالدخول أو الخروج من المناطق الخاضعة للنظام في دير الزور، وهي معبر الجنينة المائي (غرب شمال المدنية)، ومدخل عياش (غرب دير الزور باتجاه مدينة الرقة)، ومدخل المدينة الجنوبي باتجاه تدمر ودمشق.

ناشط إعلامي رفض ذكر اسمه قال للجزيرة نت، إن "مسألة عدم إصلاح العطل الذي أدى لغياب الاتصالات، قرار اتخذته قيادة التنظيم في المدينة، وما حصل في الأسابيع الماضية، هو خروج ورشات الصيانة من داخل الأحياء الواقعة تحت سيطرة النظام بداعي وجود اتفاق مع تنظيم الدولة، وهو أمر نفاه التنظيم تماما، مما أدى إلى اعتقال عناصر الورشة لبضعة أيام قبل إطلاق سراحهم".

ويؤكد مصدر مقرب من تنظيم الدولة للجزيرة نت أن "ما حصل هو عبارة عن خلاف بين أمراء المناطق في ولاية الخير (محافظة دير الزور) منذ أن بدأ الحصار، بين مؤيد لعودة الاتصالات ومعارض، إلى أن جاء القرار أخيرا من القيادة بعدم عودة الاتصالات، دون تبيان الأسباب أو موعد عودتها".

من أحياء مدينة دير الزور التي يسيطر عليها النظام ويحاصرها التنظيم (الجزيرة)

لهيب الأسعار
وأدى منع دخول المواد الغذائية والبضائع إلى ارتفاع كبير في الأسعار، ليصل هذا الارتفاع إلى الضعف أحيانا، فوصل سعر كيلو اللحم إلى 12 دولارا، وسعر عبوة الزيت لعشرة دولارات، إن وجدت طبعا، جراء فقدان أغلب المواد من الأسواق يوما بعد يوم.

ويقول أحد الصحفيين القاطنين في المنطقة -ورفض ذكر اسمه- إن انقطاع دير الزور عن العالم الخارجي اكتمل بانقطاع الاتصالات بسبب قطع الكابل الضوئي في منطقة الشولا على طريق دير الزور تدمر، مشيرا إلى تدهور الوضع المعيشي للسكان، بعد ارتفاع أسعار المواد والمحروقات، وأدى ذلك إلى "صعوبة في الحصول على رغيف الخبز، بسبب توقف بعض الأفران عن العمل جراء قلة المازوت (الديزل)".

الصحفي أكد للجزيرة نت أن للمعاناة أوجها أخرى، من بينها "عدم حصول ما يقرب من سبعة آلاف متقاعد على رواتبهم، يضاف إليهم الآلاف من متقاعدي الحسكة والرقة  الذي يقبضون رواتبهم من دير الزور، والذين منعوا من الدخول للمناطق المحاصرة بداية الشهر الجاري".

التعليم والحصار
وأكد الناشط الإعلامي محمد السلامة -من مناطق سيطرة تنظيم الدولة- أن "آلاف الموظفين الحكوميين القاطنين في مناطق المحافظة الأخرى، حاولوا الدخول منذ بداية الشهر الجاري إلى حي الجورة الذي تقع فيه أغلب المؤسسات الرسمية، ومنهم من استدان أجرة الطريق على أمل أن يسمح التنظيم بدخولهم، لكن دون جدوى".

المعلومات التي حصلت عليها الجزيرة نت من جامعة الفرات تشير إلى أن التعليم نال نصيبه من الحصار أيضا جراء تزامنه مع بدء الامتحانات الجامعية، ليحضر نحو عشرين ألف طالب من أصل سبعين ألفا، حيث مُنع عدد كبير من طلبة دير الزور والرقة والحسكة من خوض امتحاناتهم، وبحسب شهود عيان، فإن عناصر التنظيم عمدوا إلى تمزيق أي بطاقة امتحان مع أي طالب يمر عبر حواجزهم.

وقال مصدر رسمي من داخل المناطق المحاصرة -رفض ذكر اسمه- للجزيرة نت، إن عدد سكان المناطق الخاضعة للنظام في دير الزور يقارب نصف مليون، يشكل الأطفال منهم نحو 65%.

وأضاف أن العدد الأكبر من سكان الأحياء المحاصرة هم من الأسر النازحة من أحياء دير الزور الخارجة عن سيطرة النظام، ويصل عددهم إلى 62 ألف أسرة، خاتما بأن معاناة هذه العائلات تفاقمت، وربما تصل إلى حد "الكارثة" إن طال الحصار.

المصدر : الجزيرة