لم يعد حلم السوريين الأمن والأمان والعودة إلى الديار وإعادة الإعمار، بل انحصرت أحلامهم بعدم الموت جوعا، حتى بات الحصول على الطعام كالأمنية الأخيرة التي يطلبها المحكوم بالإعدام ولا يحصل عليها.

علاء الدين عرنوس-دمشق
طلب نصر الدين -سوري من حي جوبر- طعاما ليسد رمقه، لكن المنية كانت أسرع فوافته قبل أن يتحقق آخر طلباته، ورغم محاولات الفريق الطبي إبقاءه على قيد الحياة فإن جسده الهزيل الذي قاوم الجوع لأشهر، استسلم ورفع الراية البيضاء.

نصر الدين الرز (58 عاماً) أحد أبناء مدينة دمشق المقيمين في جوبر، لم يشفع له وضعه الصحي بخروجٍ آمن يضمن له العلاج، فأقام متنقلاً بين أحياء غوطة دمشق المحاصرة يقتات على ما توفر من معونات السلطات المحلية المتضائلة يوماً بعد يوم بسبب الحصار.

ورغم أنه لا تتوفر إحصاءات دقيقة عن أعداد العجزة وكبار السن في المناطق المحاصرة، فإن عدداً لا بأس به -وفق ماهر الجوبراني، المسؤول الإعلامي بنقطة جوبر الطبية- لم يغادروا المنطقة لأسباب تتعلق بأوضاعهم الصحية والمالية، كما هو الحال مع نصر الدين الذي لم يكن يملك ثمن ما يسد رمقه حتى في الأحوال العادية.

وعانى نصر الدين من وضعٍ صحي حرج لا يسمح له بمقاومة النقص الحاد في الغذاء، فقد كان يعاني من داء السكري ومضاعفات أخرى بسبب الجوع، مما يتطلب حمية خاصة وعلاجاً دائماً لم يتوفرا له في هذه الظروف.

جسد نصر الدين النحيل لم يستطع مقاومة الجوع (الجزيرة)

الجوع والقتال
والخوف من الموت جوعا دفع ببعض سكان الحي للقتال في صفوف الفصائل المعارضة التي تدفع راتبا شهريا يسمح للعديد من المدنيين بتأمين جزء من حاجات عائلاتهم، وأبو عبد الله (55 عاماً) أحد الذين التحقوا بصفوف الجيش الحر بجوبر قبل ثلاثة أشهر على أمل الحصول على راتب لم يصله بعد، ومساعدات قد تسد جزءا من حاجات أسرته التي لم تغادر الحي.

ويقول إن "سعر كيلو الأرز يتجاوز 2300 ليرة سورية (حوالي 12 دولارا)، وفي بعض الأحيان نمضي يومنا بلا خبز، بينما نشتري السكر بالغرامات".

أبو عبد الله -الذي فقد ابنه الوحيد في معارك جوبر، ويعيش مع زوجته وبناته الأربع داخل الحي المحاصر- يلجأ في أوقات راحته إلى "التحطيب" لتأمين دخلٍ إضافي يضمن لأسرته البقاء على قيد الحياة، في ظل الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية في المناطق المحاصرة.

ويشرح كيف أن "الخضار والفاكهة لا تتوفر في جوبر، كل ما يباع هو بعض الحبوب بأسعار لا يقوى الكثيرون على دفع ثمنها".

وحين نسأله عن دور المجلس المحلي في تقديم المعونات للأسر المحاصرة، يجيب أبو عبد الله "بالكاد تسد نصف حاجتنا، لذلك لجئنا للعمل مع الفصائل المقاتلة فهم يتمتعون بموارد أفضل من غيرهم وقد نغنم بعض الطعام في معاركنا".

video

استغلال التجار
ولا يختلف حال الشباب عن المتزوجين فكلهم في جوبر جوعى، فبسام -أحد الشبان المقاتلين في صفوف الفصائل المعارضة في جوبر- يشير إلى أن "حالة الحصار التي يفرضها النظام على مناطقنا تسببت في رفع الأسعار"، ويرى أن أشخاصاً استغلوا الظروف الصعبة لجني المال على حساب الجائعين، في إشارة إلى التجار والمهربين بالغوطة الشرقية.

ويدعو الجمعيات المحلية والفصائل المقاتلة إلى التكاتف لإنصاف المدنيين والمقاتلين على حد سواء، لمحاربة المستغلين وتوفير الحاجات الغذائية بسعرها الأدنى، معتبراً أن الكل "يقاتلون في خندق واحد".

ووفق العديد من المدنيين والناشطين في الحي، فإن أسعار المواد التموينية والسلع الرئيسية تزيد على مناطق محاصرة أخرى بين 25% و40%.

ومقارنة بأعلى نسبة رواتب يتقاضاها عناصر الفصائل المسلحة في ريف دمشق بمتوسط النفقات الشهرية المقدرة بـ42 ألف ليرة، فإن الأسرة الواحدة تحتاج لمعيلين على الأقل لضمان عيشها بالحد الأدنى، أو فإنها ستواجه العجز في تأمين متطلباتها الأساسية.

المصدر : الجزيرة