بعد حوالي ربع قرن من قبوله لاجئا سياسيا في النرويج، واجه مؤسس جماعة أنصار الإسلام في كردستان العراق 35 تهمة، وخضع للتحقيق لمدة سبعمائة ساعة. وبعد ثلاث سنوات أمضاها سجينا، وجد الملا كريكار قرارا ينتظره بالخضوع للإقامة الجبرية.

حاوره في أوسلو: عمار الحمدان

نجم الدين فرج أحمد المعروف بـ "الملا كريكار" هو مؤسس جماعة "أنصار الإسلام" في إقليم كردستان العراق، مطلوب من أميركا. وبعد أيام قليلة من الإفراج عنه من السجون النرويجية، ينتظر الترحيل من العاصمة أوسلو خلال الساعات المقبلة إلى مخيم لطالبي اللجوء بإحدى القرى شمال النرويج.

وقبل ساعات من تنفيذ قرار المحكمة بترحيله ووضعه رهن الإقامة الجبرية في مخيم اللاجئين، التقته الجزيرة نت وأجرت معه حوارا مطولا حول طبيعة القضايا الموجهة إليه من السلطات النرويجية، ورأيه في التطورات الجارية بالمنطقة العربية وبروز تنظيم الدولة الإسلامية على الساحة وطبيعة الصراع الطائفي. وفيما يلي نص الحوار:


بداية كيف تصف طبيعة المواجهة الحالية بينك وبين السلطات الأمنية النرويجية؟

هي مجرد لعبة أخرى من ألعابهم الشيطانية، فليست لديهم أية أدلة ضدي، وهم اختلقوا قضية وسموها قضية الملا كريكار، ثم راكموا الأكاذيب ليتستروا عليها وما استطاعوا، لأن الباطل مهما كان قويا لا يستطيع أن يغطي على الحق، واعتقد أن هذه مجرد محاولة لتسجيل هدف في الوقت الضائع.

وعندهم أموال سيدفعونها لتضليل مجتمعهم والمجتمع الكردي أيضا، والأمر سيستمر لأن هناك من يعيش على قضية الملا كريكار، فمؤسسة الجرائم الاقتصادية أنفقت في 13 شهرا ثلاثين مليون كرونا أي خمسة ملايين دولار، وكنت أقول للقاضي: لماذا تنفقون أموالكم؟ وعندي ستمائة كاسيت وأنتم تترجمونها كلها، منها أكثر من مائة كاسيت حول بلاغة القرآن، ولو قلتم لي كنت فرزتها لكم حتى توفروا ثمن ترجمتها، فهم يدفعون ثلاثمائة دولار مقابل ترجمة الكاسيت الواحد.

وبعدها غضب القاضي لأنه عرف أن هذا استنزاف اقتصادي بالإضافة إلى أن بعض السياسيين كانوا يحاولون أن يرتقوا على كتفي إلى مناصب أخرى في وزارة العدل النرويجية والاتحاد الأوروبي.


ولكن لماذا برأيك يطلب وزير العدل النرويجي الذي ينتمي إلى حزب يميني من الشرطة وضعك رهن الإقامة الجبرية في مخيم لطالبي اللجوء في قرية عدد سكانها لا يتجاوز خمسة آلاف مواطن؟

اعتقد أولا لأنني كردي وليست لدي دولة تدافع عني، ومن السهل أن يربطوني بالقاعدة، ومن السهل أيضا أن يربطوني بصدام حسين لكوني عراقيا.

فقد سبق واتصل بي المحامي ليخبرني أن إحدى القضايا التي ستثار ضدي في المحكمة القول بأنني كنت في تاريخ معين في مدينة مخمور بكردستان العراق في اجتماع سري بين أنصار صدام حسين وممثلي القاعدة، في حين أنني كنت في هذا التاريخ لدى الشرطة النرويجية وطلبت منه أن نسكت عن أمر التكذيب ونواجههم به في المحكمة، وهذا أحد نماذج الأدلة السخيفة التي يستندون إليها.


وهل ترى أن قرار إخضاعك للإقامة الجبرية قانوني أم سياسي؟

قرار سياسي بالتأكيد، والقضية برمتها قضية سياسية من أولها إلى آخرها لأنني لم أرتكب جناية أو جرما في يوم من الأيام، وخلال 23 عاما وأنا أعيش في أوسلو لم يشكني جار أو طفل، والعائلة هنا صاحبة ثقافة وعلم وشهادات، وهي عائلة متدينة، ويعترف بذلك العدو قبل الصديق.

بعد التهم الزائفة التي اختلقوها والتي واجهتها كلها يأتي الآن النفي والإبعاد، فمرحبا به ثلاث سنوات أخرى وسنذهب سياحة إلى هذه المنطقة وأرحب بأهلها كما رحبوا بي وسأعد لهم طعاما كرديا

وبعد التهم الزائفة التي اختلقوها، والتي واجهتها كلها، يأتي الآن النفي والإبعاد، فمرحبا به ثلاث سنوات أخرى وسنذهب سياحة إلى هذه المنطقة وأرحب بأهلها كما رحبوا بي، وسأعد لهم طعاما كرديا كما أعدوا لي كعكة كتبوا عليها كريكار وتكون إن شاء الله صداقة بيني وبينهم.

وأنا كنت قبل مجيئي إلى النرويج احترم المجتمع النرويجي ومازلت، القضية تتراكم علي يوما بعد يوم، لكنني ما غيرت رأيي في المجتمع النرويجي، مجتمع منفتح مثقف هادئ، وعندنا مثل كردي يقول العين الذي تشرب منها لا تردمها، وأنا شربت ماءهم وأنا لا أخونهم ولا أظلمهم وحتى أولئك الذين يلعبون بذيولهم لا يتجاوزون عشرة أشخاص من سياسيين ومخابرات.

ولما تنتهي هذه المدة سيختلقون لنا شيئا آخر بالتأكيد، وأنا سأواجههم بالحقيقة فأنا مثقف مفكر مسلم ورئيس حزب كما هم رؤساء أحزاب، ولا أتحرك معهم إلا سياسيا.


يعتبر جهاز المخابرات النرويجي الملا كريكار خطرا على الأمن القومي النرويجي، كيف تنظر إلى ذلك؟

لم أكن مواطنا نرويجيا لا مع اليمين ولا مع اليسار، ولم اعتبر هذه ساحتي في يوم من الأيام، فأنا جئت ضيفا عليهم، ولكن ماذا أفعل وأنا كردي لا أحمل جواز سفر؟ فلو كان عندي جواز سفر أو دولة أنتمي إليها لعدت إليها

خلال السنين الثلاث التي أمضيتها في السجن أعتقد أن تسعين من الحراس الذين قابلتهم هناك غيروا رأيهم تجاهي، وأنا على يقين من ذلك، وخلال عشرين عاما لي في أوسلو واجهوني بأكثر من 35 تهمة، ودخلت المحاكم خمسين مرة وحققوا معي أكثر من سبعمائة ساعة، وذهبوا إلى الجامعة التي درست فيها وحققوا في اسمي ودرجاتي، لكنهم يخافون أن يواجهوا مجتمعهم بسبب الكذب والتضليل عليه خشية أن يسألهم: هل معقول أنكم تجرونا إلى هذه الدهاليز من الكذب والملا كريكار صادق؟

لم أكن مواطنا نرويجيا لا مع اليمين ولا مع اليسار، ولم اعتبر هذه ساحتي في يوم من الأيام، فأنا جئت ضيفا عليهم، ولكن ماذا أفعل وأنا كردي لا أحمل جواز سفر؟ فلو كان عندي جواز سفر أو دولة لعدت إليها، لكنني سأصبر وسأواجههم بصبري حتى يتعبوا وتتضح الصورة كاملة في المجتمعين الكردي والنرويجي ليعلم الناس كذبهم وتضليلهم، ولن يستطيعوا أن يغيروا شيئا من إرادتي وأنا مرفوع الرأس بأنني أنتمي إلى جدي صلاح الدين الأيوبي.
 

بعد سنوات طويلة من تأسيسك لجماعة أنصار الإسلام، وما شهدته السنوات العشر الأخيرة من  تطورات في المنطقة، ما هو تقييمك لفكر الجماعة الجهادي، وهل يصب حصاد هذه السنوات في مصلحة المنطقة؟ 

اعتقد أنه يصب في مصلحة الأمة ككل لأن التيار الجهادي لم يأت من ردود فعل، والتيار الجهادي في الأمة يعتمد على النصوص والأدلة من القرآن والسنة، ومر بمراحل، كما مرت أمتنا بعد فترة الاستعمار بمراحل من استيعاب الصدمة الاستعمارية، وتفتت أمتنا إلى 56 دولة، و76 أقلية اضطهدت كلها، مرورا بالأنظمة التي أعقبت ذلك، وهي أنظمة مزورة وفاشلة كما أثبتت التجارب مع القومية والاشتراكية.

والجهاديون مدرسة لهم رؤيتهم، ومنهم من يخطيء هنا وهناك، لكن الواقع أيضا يثبت أن الغرب لا يسمح للإخوان المسلمين أن يصلوا إلى الحكم في مصر عبر انتخابات حرة نزيهة، لكن بلادنا ملك لنا نحن الذين نحكم برؤيتنا المنبثقة من القرآن والسنة، ونعيد دولتنا واقتصادنا ورؤيتنا لحياتنا، ولن يكون لأي غربي حق التدخل ولو في أية جزئية صغيرة، فقيمهم ليست أشرف من قيمنا.


ما هي رؤيتك لمستقبل الصراع الطائفي في المنطقة بعد اندلاع الأزمة السورية وتمددها في العراق؟

في الخمسين سنة المقبلة نار الفتنة التي هناك ستكون الشيعة والسنة، والطائفية المذهبية هي التي ستصبح البديل للقومية، فالكردي والعربي الآن لا يتقاتلان بسبب القومية، وكذلك البلوشي والفارسي والتركي، لكن كل واحد يتمحور حول مذهبه. وإيران رأس في التوجيه، والإيرانيون يريدون أن يكونوا بارزين لكنهم خسروا مليار مسلم ليربحوا 175 مليون شيعي، وما سقط من جيوبهم حملوه من جديد.

في الخمسين سنة المقبلة نار الفتنة ستكون الشيعة والسنة، والطائفية المذهبية هي التي ستصبح البديل للقومية، فالكردي والعربي الآن لا يتقاتلان بسبب القومية

وأعتقد أن الشيعة سيصلون إلى نقطة تشبه الموجات التي تقف في بركة، كما أعتقد أن النظام السوري سيفنى بإذن الله، والمجاهدون سيحققون أهدافهم لكن يجب ألا نكون خياليين ونتصور أنهم سيشكلون دولة عمرية أيضا، ستكون اختلافات مثلما صارت في أفغانستان بين حكمتيار ورباني، وأعتقد أن حزب الله سيصغر أكثر والحوثيون سيعودون إلى صعدة، وأعتقد أن سوريا ستكون استنزافا  للإيرانيين إلى أن يسقط بشار الأسد ونظامه، والغرب سيسمح لهم بأن يمدوا النظام، والنظام ساقط لا محالة بإذن الله تعالى.


كانت جماعة أنصار الإسلام أول التنظيمات الجهادية التي بدأت مقاومة الاحتلال الأجنبي للعراق، قبل تشكل تنظيم القاعدة وصولا إلى هيمنة تنظيم الدولة الإسلامية، فهل ينسجم فكر أنصار الإسلام مع منطلقات وسياسات تنظيم الدولة الاسلامية؟

لا أعتقد.. فأنصار الإسلام امتداد لحركات إسلامية أخرى سبقتها مثل الحركة الإسلامية والجماعة الإسلامية والجيش الإسلامي، والإسلاميون في كردستان كالإسلاميين في فلسطين فصيل من حركة تحرر قومي، أو لنقل وطني فالقومية هنا ليست بمعنى علمانيتها، وهذا منطقنا في الأصل، ثم جاء الاحتلال وفرضية الاجتهاد كانت تستوجب قتاله لذلك ترك الأنصار المناطق الكردية وتوجهوا إلى قتال الأميركيين في الموصل وديالى والرمادي وبغداد وغيرهما.

وأنصار الإسلام الآن لم تبق كما كانت، والإسلاميون الأكراد وطنيون كبقية الأكراد، وكلنا نشترك في القواسم المشتركة لمطالب الأكراد، ولا شك أن يذهب أفراد من الأكراد إلى جماعات أخرى، فالناس أحرار.


يرى بعض المراقبين أن تنظيم الدولة يؤدي دور مواجهة الفصائل الإسلامية السنية المسلحة نيابة عن قوى إقليمية ودولية، ويشوه صورة تلك الفصائل في المنطقة والعالم، وبعض منظري التيار السلفي الجهادي اعتبر تنظيم الدولة كارثة على التيار الجهادي وعلى الإسلام، فهل ترى أن هذا التقييم واقعي؟

كلما ضاعت السلطة المركزية، والدولة المركزية في مكان ما، وانتشرت الأسلحة بين الناس، ستكون مثل ذلك، والواقع الذي يشير إليه هؤلاء الإسلاميون جيد، لكن ألم يكن في أفغانستان مثله؟ ألم يقتل قيادات في شورى النظار كانوا مع أحمد شاه مسعود رحمه الله بيد الحزب الإسلامي؟ ألم تقتل قيادات من الحزب الإسلامي بيد طالبان؟ ألم تكن في أذربيجان مراكز للقوة وجميعها مسلحة؟

ما دامت الأسلحة موجودة والسلطة المركزية ضائعة تكون مثل ليبيا، نحن نحزن لما نرى في ليبيا، قوى إسلامية تضرب قوى إسلامية أخرى أو في الشام أو في العراق أيا كانت مسمياتها

وبعد ذهاب محمد سياد بري في الصومال، ألم تكن هناك قبل الإسلاميين مراكز مسلحة تتقاتل فيما بينها على الساحة والمساحة؟ فكذلك الإسلاميون، فهم بشر نبعوا من هذا الواقع، وأنا أوصي جميع إخواني في بلاد الجهاد أن يحاولوا قدر الإمكان أن يضعوا في الواجهة الذين يمتازون بعمق الفكر وسعة الصدر لكي يقربوا وجهات النظر، لأن الذين يتربون في ظروف غير اعتيادية كل واحد منهم يتقوقع على أفكاره.

ولما جاء الاحتلال في العراق، لماذا فوجئ الناس بكثرة الجماعات الجهادية لأن زمن صدام حسين كان ديكتاتوريا، صحيح أنه قتل الشيعة والأكراد لكنه لم يسمح أيضا لأهل السنة العرب أن يرفعوا رؤوسهم، أو أن يلتقوا على الأقل على مجموعة من الأفكار، فظهرت قوى كثيرة اختلفت أيضا فيما بينها، فجماعة القاعدة أو لنقل جماعة أبو مصعب الزرقاوي قاتلت أول من قاتلت جماعة أنصار الإسلام، وخمسة من إخواننا قتلوا على أيديهم.

لذلك ما دامت الأسلحة موجودة والسلطة المركزية ضائعة تكون مثل ليبيا، ونحن نحزن لما نرى في ليبيا قوى إسلامية تضرب قوى إسلامية أخرى أو في الشام أو في العراق، أيا كانت مسمياتها، فالمسميات لا تهم لأن الأصل العمل، نحزن لهذه الحالة لكن يجب أيضا أن نعترف أن الواقع هو أكبر من قواتنا.
 

أنت تقيم في النرويج منذ سنوات طويلة، ومنحتك البلاد حق اللجوء السياسي، ألا ترى أن من حق هذه البلاد عليك وعلى اللاجئين لها سياسيا أن تكونوا دعاة للاندماج مع المجتمعات المستضيفة؟

بلا شك هذه المجتمعات لها الحق، نحن جئنا إلى بلادهم وشرعا في ديننا حسب المذاهب الأربعة، نحن هنا بعقد أمان وعقد الأمان غير مكتوب، وأنا لما جئت إلى هنا حصلت على عقد أمان وعقد الإيمان يتضمن أمانهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، هم ومن يعيشون في النرويج، وأنا من اليوم الأول ملتزم بذلك، والأصل في المسلمين كلهم أن يلتزموا بذلك.

ولم يحدث في يوم من الأيام أن حرضت أحدا على النظام النرويجي، وبالعكس كلما كنت تحت ضغطهم ما فقدت توازني الذي جاء من الشرع ولم يأت من المصالح، نحن لا ننتمي إلى البراغماتية النفعية، نحن ننتمي إلى الكتاب والسنة، فنلتزم بديننا، وإذا التزمنا بديننا هم رويدا رويدا سيثقون بنا، والمشكلة هي في قلة الالتزام بالدين.

المصدر : الجزيرة