أبدى مخرجون ومصممو وسائل إيضاح سينمائية وتلفزيونية دهشتهم من التقنية العالية والاحترافية التي استخدمها تنظيم الدولة الإسلامية في إنتاج مقطع إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة، بدءا من الاهتمام بالتصوير وتتابع الصورة والمونتاج وحتى أسلوب الإقناع في تبرير "الفعلة المشينة".

أيمن الجرجاوي-غزة

أظهر مقطع الفيديو الذي بثه تنظيم الدولة الإسلامية لإعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة قدرات فنية عالية للتنظيم في الإنتاج المرئي، وخروجا عن المألوف بإصدارات التنظيمات الجهادية خلال السنوات الماضية.

وأصاب المقطع -الذي بثته مواقع مقربة من التنظيم على شبكة الإنترنت- متخصصين في مجال الإخراج السينمائي والغرافيك والتصوير بـ"الذهول والصدمة" لما احتواه من سيناريو محكم، وتصميم غرافيك محترف، وتصوير عالي الدقة من زوايا متعددة.

وعكس التنظيم خلال إصداراته الأخيرة -ولا سيما المتعلقة بإعدام الكساسبة- اهتماما متزايدا بالصورة، فهو لم يكتف بإرسال رسالته، بل حرص على إيصالها بلقطات متتابعة تنبض بالمشاعر، وفق ما رأى المخرج السينمائي الفلسطيني خليل المزين.

تصوير عملية إعدام الطيار الأردني تم من زوايا متعددة وبتتابع محترف (الجزيرة)

تتابعية مشهدية
وقال المزين للجزيرة نت إن التنظيم حرص في بداية السيناريو على تبرير "فعلته المشينة" بحق الكساسبة، فأخذ يعرض تأكيد الأردن على مشاركته في الحرب على التنظيم، وما سبقها من حروب في أفغانستان والعراق، وإظهار أن إعدام الطيار رد فعل على ذلك.

ورافق عرض التبرير، وحديث الطيار الأسير عن نفسه والمهمة الموكلة إليه تتابعية مميزة في المشاهد، فحملت كل ثانية احترافية "وكأن محترفين عالميين يقفون خلف إنتاج الفيديو" كما يقول المخرج السينمائي الفلسطيني.

وأحدث مصور الفيديو من خلال استخدامه الكوادر المتنوعة بشكل محترف تشويقا عاليا للجمهور، وإبراز عناصر التنظيم أقوياء واثقين، وبدت نظراتهم المقربة من خلف اللثام حادة غير مرتبكة.

مونتاج مدروس
وأضاف المزين أن "استخدام أدوات المونتاج بشكل مدروس جدا أضاف تأثيرا ساحرا إلى الصورة".

وأوضح أن التنظيم استخدم كاميرات حديثة "فول إتش دي" لإظهار صورة عالية النقاء، وعمد إلى استخدام نظام عزل الشخصيات عن الخلفية لضمان تركيز المشاهد على الحدث الأساسي، كما كانت حركة الكاميرات خفيفة دقيقة، "وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن كيفية امتلاكهم مثل هذه الأدوات باهظة الثمن؟".

وأضاف "نحن اعتدنا على إصدارات لتنظيمات جهادية كان هدفها إثبات الوجود والفعل فقط، لكن ما يجري الآن هو إيصال الرسالة بطريقة احترافية، وجودة عالية قل نظيرها".

كاميرات عالية الدقة استخدمت في تصوير إعدام الكساسبة (الجزيرة)

لقطات متنوعة
واعتمد مخرج الفيديو على أخذ لقطات طويلة ومتوسطة وقصيرة من زوايا متعددة للحدث، ونوّع بين المشاهد السريعة والبطيئة لإبراز بشاعة عملية الحرق، "وهو ما أظهر قلبا متحجرا يقف خلف شاشة الحاسوب لاختيار المشاهد الأكثر قسوة لإبرازها".

ولعل أكثر ما لفت انتباه المخرج البناء الدرامي للفيديو، والتتابع، والتنقل بين المشاهد المختلفة ومواقع التصوير بشكل سلس، وأدى ذلك إلى حدوث تكامل وانسجام بين اللقطات وصولا إلى معاني مؤثرة تؤدي الرسالة من المشهد.

وأشار إلى أن أعمال التصوير والتركيب والغرافيك والمونتاج، إضافة إلى استخدام فلاتر الصور وتقنيات السينما خلقت عملا نوعيا وجديدا على التنظيمات الجهادية.

اهتمام بالإقناع
وحاول التنظيم من خلال إبراز مشاهد تظهر أطفالا قتلى ودمارا واسعا جراء عمليات قصف طائرات التحالف الدولي مخاطبة الشعوب وليس السياسيين، كما رأى المزين "ويبدو أنهم فكروا بطريقة مختلفة، واهتموا بالإقناع أكثر من أي وقت مضى".

واستخدم التنظيم في الفيديو أعمال غرافيك احترافية ظهرت أثناء حديث الطيار عن الدول المشاركة في العمليات ضد التنظيم، والمطارات العسكرية التي تنطلق منها الطائرات، كما استخدمها في شرح أنواع القنابل المستخدمة في عمليات القصف، والتعريف ببعض الطيارين المشاركين في الهجمات.

ويبدو أن طاقما احترافيا أنجز تلك الأعمال، فالخبير الفلسطيني بالغرافيك جهاد حمدان يقول للجزيرة نت إنه لا يمكنه تخيل كيف استطاع عناصر التنظيم إنجاز هذا العمل في زمن قياسي جدا.

طاقم تقني محترف عمل على إنتاج المادة الفيلمية لعملية الإعدام (الجزيرة)

صبغة غربية
وأشار إلى أن أعمال الغرافيك الظاهرة في الفيديو تحتاج إلى نحو شهرين من العمل في حال قام بها شخص محترف بشكل متواصل دون انقطاع، مرجحا قيام فريق محترف من المصممين وأصحاب الخبرة بإنجازها.

وأضاف حمدان الذي ينفذ أعمالا احترافية لشركات محلية وأجنبية "من خلال خبرتي في هذا المجال، وأسلوب العمل، فإنني أشعر بأنه خال من الصبغة العربية، ولن أستغرب لو علمت أن من قام به مسلمون من روسيا أو دول شرق أوروبا".

وتحتاج أعمال الغرافيك بالتفاصيل التي حوتها إلى أجهزة متطورة جدا لا يقل سعرها عن عشرة آلاف دولار -وفق حمدان- عدا عن دراية المصمم واطلاعه على كل ما هو جديد في عالم الغرافيك والسينما الغربية.

ولم يكتف تنظيم الدولة بإيصال رسالة طريقة إعدام الكساسبة، بل حمل مقطع الفيديو تهديدا صريحا لـ53 طيارا أردنيا يشاركون في الحرب ضده، ورصد مكافأة قدرها مائة ألف دينار ذهبي لقاء قتلهم.

وعلى أي حال، فإن المخرج الفلسطيني وخبير الغرافيك يؤكدان أن الإنتاج الاحترافي لفيديو تنظيم الدولة لن يخفي "بشاعة" الفعل الذي قام به عناصره، والإساءة البالغة التي قد يلحقها بالإسلام.

المصدر : الجزيرة