وراء كل لاجئ سوري قصة لا تخلو من المآسي، ورهاب القتل والموت هو القاسم المشترك في تلك القصص، سواء بآلة الحرب والدمار في الوطن، أو بالبرد والجوع وربما الغرق قبل الوصول إلى ملاذ في أوروبا.

ياسر العيسى ـ دير الزور

"ليس لديّ أي استعداد لانتظار أي أحد، صاحب المشي البطيء الموت مصيره حتما"، تحذير ألقاه أحد المهربين  مستحثا به مجموعة من السوريين قبيل بدء رحلة لجوئهم إلى أوروبا، انطلاقا من قرية أدرنة التركية الحدودية مع اليونان.

يقول الناشط الإعلامي علاء عسكر إنه هرب من دير الزور بعد أن أحكم تنظيم الدولة الإسلامية قبضته عليها ولم يجد مفرا إلا اللجوء، فقصد مدينة إسطنبول التركية حيث التقى المهرب أبا فادي، الذي أرسله مع مجموعة من السوريين إلى قرية أدرنة برفقة معاون له يلقب بـ"الريبري"، مقابل 4000 يورو لكل شخص.

ويتابع عسكر "بدأنا نراقب الأراضي اليونانية التي يفصلها عنا نهر صغير، وبعد أن قلت تحركات الأمن اليوناني ليلا، عبرنا النهر بواسطة سفينة هوائية، وكل منا يحمل حقيبة طعام تكفيه أربعة أيام، إضافة إلى فرشة للنوم في الغابات".

لاجئون سوريون في مقدونيا (الجزيرة نت)

تجاهل
وذكر أن المشي كان ليلا فقط "وبعد أربعة أيام، بدأ الريبري الاتصال بالمهرب ليخبره أنه في نقطة ما، وينتظر السيارة التي وعدنا بها، لكن دون جدوى".

وبعد يومين من المماطلة -يضيف عسكر- امتنع المهرب عن الرد، وبدأنا نبحث عن طعام في الغابة بعد نفاد طعامنا، وتناول ثلاثة من الشباب الفطر. وهنا تدخل الشاب أحمد الذي كان ضمن المجموعة في الحوار قائلا "إن الذين تناولوا الفطر أصيبوا بالقيء فنصحهم الريبري بالنزول إلى القرية وتسليم أنفسهم، وهذا ما حصل بالفعل.

لكن الشاب مراد الذي عثر على الفطر وتناوله مات بالتسمم بينما بقي شابان آخران تناولا الفطر أيضا نحو عشرة أيام في العناية الفائقة لتلقي العلاج، وتوفي أحدهما وبقى الآخر حيا".

ويقول أحمد للجزيرة نت إنه تم التواصل مع شقيق مراد في السعودية، وأقرباء له في الأردن، وذلك عبر أحد أصدقائه الشباب الموجودين في اليونان، لكن "كلا الدولتين رفضت استقبال جثته، مما اضطر شقيقه إلى إرسال مبلغ 1500 يورو، قيمة أجور الدفن في مقبرة إسلامية في اليونان".

وتابع "أما من تبقى منا، فاضطر إلى المكوث في الغابات أياما أخرى، قبل أن يتمكن الريبري من تأمين سيارة حملت البعض فقط"، ويضيف أنه لا يعلم مصير زملائه الذين وُعدوا بوجود سيارات أخرى قادمة، ليتابع من تبقى من المجموعة رحلتهم من اليونان إلى مقدونيا مشيا أيضا، ومنها إلى صربيا ومن ثم إلى هنغاريا مشيا وعبر السيارات، وبعدها إلى ألمانيا عبر السيارات أخيرا بعد شهر من انطلاق رحلتنا".

لاجئون في أحد المصانع المهجورة داخل صربيا (الجزيرة نت)

حاول ثم حاول
الشاب عبد الله، اللاجئ في بلجيكا ذكر أن رحلة لجوئه لم تكتمل في المرة الأولى بعد الوصول إلى اليونان برفقة عائلة سورية مؤلفة من رجل وزوجته وطفليهم.

ويوضح "بدأنا بالسير، لكن ما هي إلا لحظات وإذا بسيارة الشرطة اليونانية أمامنا لتصادر كل ما نحمله، قبل إعادتنا إلى الحدود، بعد أن أناروا لنا الطريق بضوء للكشاف مداه 300 متر تقريا وقالوا لنا، إن كل شخص يخرج من مسار الكشاف يعرض نفسه لإطلاق النار، فاضطررنا جراء ذلك إلى عبور النهر للعودة إلى تركيا".

ويؤكد عبد الله أن محاولاته المتكررة للجوء باءت بالفشل لكن ذلك لم يثنيه عن المحاولة في مرات أخرى "لأنها البديل الوحيد لديه"، ليصل بعد ذلك في محاولة ناجحة إلى بلجيكا، مضيفا أنه كان شاهدا على موت زملاء له في أحد الأنهار في مقدونيا نتيجة عدم توازن السفن الهوائية المستخدمة، وحاول البعض إنقاذهم، لكن الموت غرقا كان مصير الكثيرين منهم.

ويؤكد أحمد العبود -اللاجئ السوري في بلجيكا- أن الكثير من اللاجئين السوريين ضلوا طريقهم بعد تخلي "الريبرية" عنهم و"هناك من مات بردا في جبال اليونان وصربيا، حيث تكون درجات الحرارة تحت الصفر، و اضطرت الأغلبية بعد تخلي الريبرية عنهم إلى تسليم أنفسهم إلى أية قرية أو مدينة تصادفهم، لأن الخيارات الأخرى هي الموت جوعا، أو بردا".

المصدر : الجزيرة