تقول البارونة البريطانية منزل الدين إن الغرب ينظر للعرب كدول نفطية، وإن الرأي العام البريطاني تغير تجاه إسرائيل بعد العدوان الأخير على غزة، وإن مجلسي العموم واللوردات ناقشا دعم قيام دولة فلسطينية رغم وجود مجموعة قوية مؤيدة لإسرائيل بالبرلمان.

حاورها هاني بشر/لندن

قالت عضوة مجلس اللوردات البريطاني البارونة باولا منزل الدين إن هناك تغيرا في الرأي العام البريطاني تجاه إسرائيل، خاصة بعد العدوان الأخير على غزة وما تبعه من سقوط ضحايا بينهم أطفال.

وأضافت أن النقاش الذي دار في غرفتي البرلمان -بمجلسيه العموم واللوردات- بشأن إمكانية دعم بريطانيا لدولة فلسطينية مستقلة ليس أمرا رمزيا.

وأشارت في حوار مع الجزيرة نت إلى أن ممارسات العنصرية تجاه المسلمين زادت بمقدار ثلاثة أضعاف خلال الأسابيع الثلاثة التي أعقبت الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو في باريس.

وأعربت البارونة عن رفضها مشاريع القوانين التي تطرحها الحكومة لمواجهة ما يسمى الإرهاب، وتقول إن مثل هذه المشاريع صيغت على عجل، وهي تجعل المجتمع المسلم في بريطانيا في موقع المشتبه به وتنال من الحقوق المدنية التي تكفلها القوانين البريطانية. وفي ما يلي نص الحوار:

البارونة باولا مع ملكة بريطانيا (الجزيرة)

منذ عدة أسابيع ناقش مجلس اللوردات مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فإلى أي مدى يمكن للضغوط أن تؤثر على السياسة البريطانية تجاه الشرق الأوسط، خاصة أن بريطانيا دولة برلمانية؟

- على مدار نحو عشرين عاما كنت أثير في مجلس اللوردات أنا ومجموعة صغيرة من زملائي مسألة الحق في تأسيس دولة فلسطينية، ومنهم اللورد أحمد والبارونة جيني تونغ.

قد يكون تأثيرنا ضئيلا ولكنه تراكمي ولا يحظى بدعم كاف من الفلسطينيين في الشتات، وهو جهد لا يقارن بجهود أخرى تمارس داخل وخارج البرلمان بالنيابة عن الحكومة الإسرائيلية، لأن لدينا مجموعات قوية مؤيدة لإسرائيل من أعضاء البرلمان البريطاني، ولديهم قدرة على التأثير لصالح إسرائيل وقد قاموا بذلك بالفعل على مدار عقود.

وينبغي أن نشير هنا إلى أن التصويت لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس أمرا رمزيا، فقد دعمه زعيم حزب العمال المعارض إيد ميليباند، وهو ما يرسل رسالة واضحة مفادها أن الرأي العام قد شهد تغيرا ضد إسرائيل، خاصة بعد الاعتداءات البربرية على غزة الصيف الماضي، ومقتل مدنيين أبرياء ومن بينهم خمسمائة طفل، وجرح آلاف آخرين.

ويمكن أن نلحظ ملامح هذا التغير في تصريحات رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان عندما قال "لم يغضبني شيء في السياسة أكثر مما أغضبني قرار ضم غزة"، وقد حمل وزير التنمية الدولية السابق آلان دونكان الحكومة البريطانية مسؤولية الفشل في تحميل إسرائيل المسؤولية عما جرى، وشدد على أن دعم أي عضو برلمان للاحتلال والاستيطان هو إرهاب ومخالفة للقانون الدولي.

وآمل أن يؤدي هذا التصويت إلى مزيد من الاهتمام والتعاون بين أولئك المؤمنين بحق الفلسطينيين في الحرية والعدالة كبقية شعوب الأرض.

 ما مدى تفاعلك مع قضايا العالم العربي؟

ما يحدث في العالم العربي يقع في قلب السلم والأمن الدوليين، وقد حظيت بشرف زيارة تونس بعد أيام قليلة من بدء ثورات الربيع العربي، وكانت أولى بشائر هذا الربيع عندما بدأ جيل جديد يلتف حول هدف بناء دولة جديدة بعد الدكتاتورية العسكرية.

ونجحت تونس، فيما لا يزال الباقون يكافحون، وبشكل عام صاغ ما يحدث في العالم العربي أفكاري وقناعاتي وأيضا كنائبة رئيس اللجنة البرلمانية المعنية بالمملكة العربية السعودية وليبيا، وما زلت مهتمة بقضايا العالم العربي حين يتعرض مجلس اللوردات لإحداها.

هناك نظرة ضيقة للشعوب العربية في الغرب، فيتم النظر لها من منظور الدول المنتجة للنفط ومكان للنزاعات، ولذا نحن بحاجة لنشر فهم أوسع للعالم العربي، وألا تضيع مساهمة العرب في تاريخ الإنسانية وثقافتهم وتقاليدهم العريقة في أتون المعارك وحالة الغضب هناك.

وأعتقد أن أحد مظاهر قوة الشعوب العربية هو دور النساء هناك، وهو دور غائب عن المسرح العالمي حتى الآن. وأعتقد أنه إذا ظهر عدد أكبر من القيادات النسائية في مجال السياسة الدولية والدبلوماسية فإننا سنضمن تعزيزا للسلام في العالم.

منزل الدين تقول إن الرأي العام البريطاني شهد تغيرا ضد إسرائيل (الجزيرة)

هناك من يرى عدم تأثير لأعضاء البرلمان البريطاني المسلمين في سياسة البلاد، فعلى سبيل المثال هناك من صوت منهم لصالح الحرب على العراق، وقد قدمت البارونة سعيدة فارسي استقالتها الصيف الماضي من الحكومة احتجاجا على الموقف الرسمي من الحرب على غزة، وكانت أول امرأة مسلمة تدخل الوزارة، ما رأيك بهذا الطرح؟

هناك مسؤولية تقع على عاتقنا جميعا للقيام بضغط دولي كاف على إسرائيل لمنع مجزرة أخرى في غزة.

إن مساهمة الحكومة البريطانية قليلة في هذا الإطار وتنحو إلى اتباع السياسة الأميركية بشكل أعمى، وقد شاهدنا العواقب الكارثية لهذا الأمر في كل من أفغانستان والعراق، والأصوات المسلمة في الحقيقة ليست قوية بما يكفي لتغيير السياسات الحكومية.

وفي بريطانيا وغيرها من الأماكن يسبقنا اليهود بشكل كبير في القدرة على تحريك الدعم البرلماني من أجل قضايا تؤثر بشكل مباشر على مجتمعاتنا مثل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وقد دعمت بشدة الموقف الذي اتخذته البارونة سعيدة فارسي.

 قضايا الإسلاموفوبيا تنتشر بشكل كبير في المجتمع البريطاني، فماذا تقولين عن هذه الظاهرة؟ وما هي الخطوات التي يجب اتخاذها رسميا للحد منها؟

زادت الممارسات العنصرية بمقدار ثلاثة أضعاف خلال الأسابيع الثلاثة التي أعقبت الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو في باريس، وتنبغي الإشارة هنا إلى أن الاعتداءات على اليهود قد ازدادت أيضا، ومع ذلك لم يتم الحديث إلا قليلا عن تأثير الإسلاموفوبيا على المؤسسات والأفراد.

ومما يزيد من القلق في بهذا الشأن التشريعات المتعجلة التي تم اقتراحها كرد فعل على الأحداث والتي ستؤثر بشكل كبير وتنتهك الحقوق المدنية وحرية التعبير.

ولدي قلق كبير من أجندة مشروع "بريفنت" الذي يهدف إلى مراقبة سلوك تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات لتحديد ما إذا كان الشخص متطرفا أو لديه ميول لذلك.

هذا انتهاك صارخ للحقوق المدنية التي نعتز بها في هذا البلد، فلا يمكن أن نسمح بتجريم مجتمعات بأكملها بناء على تصرفات قلة قليلة تثير الفوضى، ومن ناحية أخرى ازدادت الاعتداءات السياسية والجسدية ضد المسلمين رغم أن لدينا قوانين تحمينا وتجرم جرائم الكراهية.

هناك حديث ونقاش متزايد بشأن ما يسمى الإرهاب وإقرار قوانين جديدة يرى كثيرون أنها تمس حريات وحقوق المسلمين؟ ما موقفك من مشروعات القوانين المطروحة حاليا؟

يخول مشروع هذا القانون المؤسسات استهداف مجتمعات المسلمين المحلية كمجموعة مشتبه بها وكأنها ليست جزءا من نسيج مجتمع واحد.

علينا أن نتكتل لمقاومة الظلم وفي الوقت نفسه أن نعمل من داخل مؤسسات النظام العام في البلاد لاجتثاث الإسلاموفوبيا.

 من خلال إقامتك في إحدى مناطق تركز الجالية المسلمة في شرق لندن، كيف ترين مستوى مشاركة المسلمين في العملية السياسية على مستوى التصويت والانخراط في الأحزاب المختلفة؟

لدينا سلوك إيجابي ينحو باتجاه المشاركة داخل هياكل الحكم المحلي والانخراط في الأحزاب السياسية، ولدينا نسبة إقبال كبيرة على التصويت في الاستحقاقات الانتخابية.

غير أن هناك حواجز كبيرة تعوق صعودنا لمناصب كبيرة في الأحزاب السياسية، إذ يشكل ذوو البشرة الشقراء والرجال أغلبية المهيمنين على هذه المناصب.

وكي ينجح الإنسان في هذا المناخ عليه أن يرضخ لمتطلبات أغلبية الموجودين، وحينها ستكون مساحته كصاحب رأي مستقل ضئيلة.

منزل الدين: دور النساء العربيات غائب عن المسرح العالمي (الجزيرة)

إذا تحدثنا عن طبيعة مجلس اللوردات فإننا نرى أن الأعضاء يأتون بالتعيين، على عكس مجلس العموم الذي تُجرى انتخاباته كل خمس سنوات، فهل تعد عضوية مجلس اللوردات عملا يحتاج لتفرغ العضو؟

تعين ملكة بريطانيا أعضاء مجلس اللوردات وتستمر عضويتهم مدى الحياة، وليس لدى الأعضاء مسؤولية تجاه الدوائر الانتخابية، ويتولى المجلس -الذي يمثل الغرفة الأولى بالبرلمان- مهمة التدقيق في التشريعات والمصادقة عليها نيابة عن الملكة، كما يناقش الشؤون السياسية أيضا.

ولأن معظم الأعضاء تخطوا السبعين من العمر، لذا فهم متقاعدون من وظائفهم الأصلية، لكن هناك زيادة في الأعضاء الأصغر سنا ممن شملهم التعيين بعد عام ١٩٩٨ خاصة أولئك الذين لديهم مهن مثل المحامين والأطباء والعاملين في إدارات الحكم المحلي والإعلام والرياضة والصحة وغيرها من الوظائف.

ومن الأعضاء من يترأس مجالس إدارة في القطاعين العام والخاص، ولا تزال نسبة النساء في مجلس اللوردات أقل من 20%.

بالتقاليد القديمة، هناك تحديث لآليات عمل مجلس اللوردات باستخدام التقنيات الحديثة والإنترنت، وهناك تمسك بالتقاليد القديمة، فهل يمكن أن نتعرف على بعض هذه التقاليد، وهل تؤثر سلبا أو إيجابا على عملكم بالمجلس؟

كنت واحدة من أصغر النساء العضوات في مجلس اللوردات عندما التحقت به عام ١٩٩٨، وكنت حينها أعمل مديرة للخدمة الاجتماعية في مركز الحكم المحلي، وكانت فترة العمل بالمجلس تمتد من عشر إلى 15 ساعة وربما أكثر من ذلك يوميا، ولذا طلبت من السلطات المعنية السماح لي بحمل جهاز كمبيوتر متنقل لاستخدامه أثناء فترات الانتظار خلال النقاش والانتهاء من عمليات التصويت، وقد كان طلبي غريبا حينها، أما الآن ومع التحاق كثيرين من الجيل الأصغر سنا بالمجلس تغيرت الأمور وأصبح مسموحا ليس فقط بحمل الكمبيوتر المحمول واستخدامه وإنما استخدام "الآيباد" داخل القاعة الرئيسية.

والأمر نفسه ينطبق على الهاتف المحمول الذي لم يكن يسمح بحمله أول الأمر، ولذلك قاومت بشدة ودفعت من أجل السماح لي باستخدامه لأني كنت أما لأطفال، منهم من كان عمره أقل من عام واحد وأريد أن أكون على اتصال معهم ونجحت في ذلك في النهاية، لهذا أنا سعيدة لكوني ساهمت ولو بجهد ضئيل في تغيير قواعد العمل داخل المجلس في ما يتعلق بالتعامل مع التكنولوجيا.

المصدر : الجزيرة