الفجوة بين الوعود الانتخابية لاستدرار أصوات الناخبين، والتجربة العملية على أرض الواقع تلخص دوافع التململ البادي بالحكومة اليونانية التي يترأسها أليكسيس تسيبراس، على خلفية الأزمة الاقتصادية والعلاقة بالدائنيين وموقعها بمنطقة اليورو.

شادي الأيوبي-أثينا

بدأت مظاهر التململ والاحتجاج تظهر داخل حزب "سيريزا" الحاكم في اليونان، إثر تراجع الحكومة أمام الدائنين وتخليها عن بعض وعودها الانتخابية. وخرجت أولى الاحتجاجات من داخل صفوف الحزب، حيث عبرت أجنحة وشخصيات بالحزب عن استيائها من التراجع، أبرزها النائب مانوليس غليزوس الذي وجه رسالة اعتذار لليونانيين عن إسهامه "في عملية أدت إلى خداعهم".
 
وفي خطابه للمجموعة النيابية للحزب، ذكر رئيس الوزراء أليكسيس تسيبراس أن حكومته "نجحت في فصل اتفاقية الدين عن المذكرة التي كانت ملزمة للبلاد، وفي التخلص من تلك المذكرة كإطار لسياسة التقشف، والتوصل لاتفاقية متوسطة تعطي الفرصة لليونانيين لالتقاط أنفاسهم وتسمح بتجنب مخطط التسبب بضيق اقتصادي ومالي، إضافة إلى تأمين مسار طبيعي للنظام المالي في البلاد".

 غليزوس اعتذر لليونانيين (الجزيرة)

القادم أصعب
ويرى أستاذ الاقتصاد والتنمية بجامعة أثينا، عبد اللطيف درويش، أن وعود سيريزا "مسألة تدريجية وليست انقلاباً إضافة إلى أن سيريزا وجد أمامه تركة ثقيلة من الحكومات السابقة".

وأضاف أن سيريزا "حقق بعض النقاط في المفاوضات مثل حماية أصحاب الديون المتعسرة والمعاشات التقاعدية، لكن الدائنين لم يعالجوا جرح اليونان عبر شطب جزء من ديونها، وهذه المسألة سبق أن حصلت، واليونان في وضعها الراهن لا يمكن بأي حال أن تفي بمستحقات الديون الخارجية".

ورجح درويش "تأزم الأمور خلال الأشهر الأربعة أو الستة القادمة، وامتناع اليونان في نهاية الأمر عن الدفع، مكررة تجربة البرازيل، مستبعداً حصول أزمة ثقة بين الحكومة والشعب اليوناني".

كما توقع أن تشهد الفترة القادمة سجالات متواصلة بين اليونان ودائنيها "خاصة أن الحزب لا يقبل بمطالب مثل الخصخصة، لأن هذا تنكر لمبادئ الحزب ووعوده الانتخابية" مستشهداً باستطلاعات رأي تفيد بارتفاع شعبية الحكومة لدى اليونانيين.

  صبري يشرح جذور الحزب (الجزيرة)

الجذور 
أما المحلل السياسي عصمت صبري، فتحدث للجزيرة نت عن تاريخ الحزب، وقال إن أصله "يعود إلى ما سمى سابقاً بالحزب الشيوعي اليوناني فرع الداخل، وهو يمثل الشيوعية الأوروبية، ويعتبر الابن الصغير للحزبين الشيوعيين الإيطالي والفرنسي، وهذه الأحزاب كانت تدعمها دول خارج السيطرة السوفياتية مثل يوغسلافيا ورومانيا".

وذكر صبري، وهو دبلوماسي فلسطيني سابق باليونان، أن شعبية الحزب بقيت ضيقة حتى دخول جيل من الشباب، بينهم رئيس الحزب تسيبراس، الأمر الذي غيّر صورة القيادات اليسارية التقليدية. كما انتقل إلى الحزب ناخبون وقيادات من حزب "باسوك" بعد دخول الأخير في الحكومات التي تبنت التقشف.
 
وأضاف أن حركة الساخطين الذين تجمهروا أمام البرلمان خلال سنتي 2011 و2012 "كانت قوة جماهيرية يتيمة تبحث عن جهة سياسية تتبنى صوتها، وقد استطاع الحزب استغلالها، فحصل خلال الجولة الأولى من انتخابات 2012 على 17% ثم 26% بالجولة الثانية بينما حصل حزب الديمقراطية الجديدة على 29%".

واعتبر صبري أن القيادات القديمة للحزب التي ترجع لنفسها الفضل في انتصاره النيابي الأخير، "تشكل عبئاً على تسيبراس، عليه التخلص منه، علما بأن التركيبة الحكومية جاءت متحررة بشكل كبير من ضغط تلك القيادات".

وأوضح أن الحكومة تشكلها ثلاثة تيارات هي "اليساريون القوميون ولهم حوالى 12 نائبا بالبرلمان، واليسار المنحدر من الحزب الشيوعي، وهو تيار قوي يملك حوالي 30% من اللجنة المركزية وقاعدة الحزب وحوالي ثلث الحكومة وخمسين نائباً. أما الثالث فيسمى تيار الرئاسيين وهو تيار الشباب بزعامة تسيبراس، وهو تيار قوي كذلك".

وخلص إلى القول إن أوروبا "عاجزة عن طرد اليونان خارج منطقة اليورو حيث لا آلية لهذه العملية، الأمر الذي تعرفه الحكومة، كما أنه لا قوة بديلة للحزب تتولى الحكم باليونان، واعتبر أن أوروبا مقبلة على عودة لحركات اليسار للحكم ابتداء من إسبانيا ثم البرتغال وإيرلندا وإيطاليا وفرنسا".  

المصدر : الجزيرة