اعتقل الأمن الجزائري مشاركين في احتجاجات ضد التنقيب عن الغاز الصخري جنوبي البلاد، وعزل قادة أحزاب قبل وصولهم إلى موقع الاحتجاجات، والمعارضة تقول إن عدد رجال الشرطة والأمن الذين حضروا للوقوف في وجه المحتجين زاد أو ناهز أعداد المتظاهرين.

ياسين بودهان وهشام موفق-الجزائر


اعتقل الأمن الجزائري بوسط العاصمة العديد من المشاركين في احتجاجات دعت إليها قوى المعارضة للتنديد بالشروع في التنقيب عن الغاز الصخري في مناطق بجنوب البلاد، وللتضامن مع سكان تلك المناطق.

واستغلت المعارضة الذكرى 44 لتأميم المحروقات (بحيازة الجزائر 51% من مصالح الشركات الفرنسية، واستعادة أعمال المناجم جنوبي البلاد) للدعوة إلى مظاهرات في مدن عدة ترفض استغلال الحكومة للغاز الصخري في الجنوب.

وكان مقررا أن تنظم الوقفة الاحتجاجية التي دعت إليها هيئة التشاور والمتابعة -التي تضم عدة أحزاب وشخصيات سياسية معارضة- أمام ساحة البريد المركزي وسط العاصمة من منتصف النهار إلى الواحدة بعد الظهر.

ولكن الوجود الأمني المكثف الذي وصفه الناطق الرسمي لحركة النهضة محمد حديبي بأعداد هائلة تفوق المتظاهرين أو تقارب عددهم.، مع إغلاق المنافذ الرئيسية لساحة البريد المركزي، حال دون ذلك.

واعتقل الأمن خمسين شخصا في العاصمة وحدها، بحسب تنسيقية المعارضة. وقال ضابط بالشرطة للجزيرة نت إن المعتقلين إما أنهم لم يخضعوا لتعليمات الأمن الخاصة بعدم التجمهر، أو كانوا يصورون أفراد الشرطة دون حمل بطاقة صحفي.

وحدثت اشتباكات بالأيدي بين عدة مشاركين. وشوهد فريق أمن رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري يشتبك مع عناصر من الشرطة. وقال مقري للجزيرة نت "تلك محاولة اعتقالي، فشلوا فيها".

فرق فلكلورية حضرت للتشويش على الوقفة الاحتجاجية وإفشالها (الجزيرة)

تصدٍّ غير مسبوق
ولم يمنع ذلك معارضي استغلال الغاز الصخري من تنظيم مسيرة سلمية انطلاقا من ساحة أودان التي لا تبعد كثيرا عن المكان المقرر تنظيم الوقفة فيه، مع قيام قوات الأمن باعتقال عشرات النشطاء وعزل قادة الأحزاب السياسية دون اعتقالهم قبل وصولهم إلى المكان بأمتار.

وفي خطوة غير مسبوقة، اهتدت السلطة إلى دعوة فرق فلكلورية للاحتفال في ساحة البريد المركزي، مع تنظيم سباق للدراجات الهوائية، في خطوة وصفتها المعارضة بأنها محاولة من السلطة للتشويش وإفشال الوقفة الاحتجاجية.

وأشارت إلى أن تاريخ تنظيم الوقفة يشكل دلالة خاصة عند الجزائريين، فهي تأتي بالتزامن مع الذكرى المزدوجة لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين وتأميم المحروقات.

وشهدت العديد من الولايات الجزائرية وقفات تضامن ومساندة لسكان الجنوب الجزائري.

ورغم منع قادة المعارضة من تنظيم وقفتهم فإنهم أكدوا على نجاحها، ويقول رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور للجزيرة نت إنها كانت رمزية، وهدفت للتعبير عن تضامن سكان مناطق الشمال مع إخوانهم وأهلهم من سكان مناطق الجنوب.

بلام: الوقفة كسرت حاجز الخوف الذي سلطه النظام على الجزائريين (الجزيرة)

تخويف الناس
وأضاف بن بيتور "إنها تأكيد على أن كل الجزائريين يشكلون أمة واحدة"، معتبرا أن "الدعوة للاحتجاج كانت واجبا"، ودعا الجزائريين لمساندة إخوانهم ضد استمرار السلطة في استكشاف الغاز الصخري.

ونفى أن تكون للوقفة أهداف وأبعاد سياسية، مشددا على أن هدفها تضامني بحت.

ويعتقد بن بيتور أن دليل نجاح الوقفة تحولها من وقفة إلى مسيرة من خلال مشاركة وتفاعل المواطنين معها، وهو ما يؤكد برأيه أن تخويف السلطة للناس واتهامها المعارضة بالسعي لزرع الفوضى وتهديد استقرار البلاد فكرة لم تقنع الجزائريين.

وفي تقديره، فإن قوى المعارضة أثبتت أنها بعيدة كل البعد عن اللجوء إلى العنف في نشاطها السياسي، وأن السلطة أثبتت أنها هي من يمارس العنف ضد الجزائريين، ويمنعهم من التعبير عن آرائهم، وذلك من خلال حشد آلاف من عناصر الأمن وإغلاق الطرق والمنافذ المؤدية لأماكن الاحتجاج، "مما يثبت أن هذا النظام قمعي تسلطي".

من جانبه، اعتبر الناشط عبد الوكيل بلام أن الوقفة كانت "ناجحة بكل المقاييس والمعايير"، وأضاف أن ذلك لأنها "كسرت حاجز الخوف الذي سلطه النظام على رقاب الجزائريين"، كما أنها قرّبت قوى المعارضة أكثر من الجماهير.

وقفة احتجاجية ضد استغلال الغاز الصخري (الجزيرة)

الرسالة وصلت
ويرى الكاتب الصحفي عبد النور بوخمخم أن هذه المظاهرة "ناجحة بالرغم من المشاركة الضعيفة، بسبب إغلاق المداخل الرئيسية للعاصمة، ومحاصرة مقرات أحزاب بالسيارات، والتجييش الذي لم يسبق له مثيل لقمع بضع عشرات خرجوا إلى الشارع".

ويعتقد الناشط الميداني في مناطق الصحراء الجزائرية -والذي يعارض استعمال كلمة الجنوب- محاد قاسمي، أن الوقفات التضامنية التي شهدتها مختلف الولايات الجزائرية هي دعم كبير لسكان الصحراء.

وبالمقابل، قال الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في رسالة قرأها نيابة عنه محمد بوغازي بولاية وهران في مهرجان احتفالي بالمناسبة، إن "النفط والغاز التقليدي والغاز الصخري والطاقات المتجددة كلها هبة من الله ونحن ملزمون بحسن استخدامها"، مما يؤكد نية السلطة عدم التراجع عن عمليات الاستكشاف رغم الاحتجاجات الكبيرة في مناطق الجنوب، وخاصة في عين صالح.

وتفادى الوزير الأول عبد المالك سلال -خلال إشرافه على الاحتفالات الرسمية اليوم- التعليقَ على مظاهرة اليوم. وقال بصورة عامة إنه "كلما أراد أصحاب النوايا السيئة إثارة النزاع بين الشرق والغرب وبين العرب والأمازيغ أو الشمال والجنوب، تصدى لها أبناء هذا الوطن للإعلان بقوة وصوت عال عن وحدتهم وتماسكهم وإسماع العالم أننا شعب واحد".

المصدر : الجزيرة