يبدو أن "التسريبات" أبطلت مفعول التفويضات التي ما انفك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يطلبها من أنصاره، أو يوكل آخرين بطلبها له، وبمحاولة منه لإبطال مفعول التسريبات لم يجد السيسي وسيلة غير اعتبارها نوعا من "حروب الجيل الرابع".

صلاح بديوي

لم يجد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ما يغطي به فضائح التسريبات المتتالية المتعلقة به وبمقربين منه غير اعتبارها نوعا مما اصطلح على تسميتها "حروب الجيل الرابع"، ومن ثم حاول التشكيك فيها، متهما خصومه بالإيقاع بين نظامه والدول التي تموله.

ويختلف سياق نشأة مصطلح "حروب الجيل الرابع" الذي بات رائجا ومستخدما بكثافة في الإعلام المصري الداعم للانقلاب عن سياق الحالة التي عليها مصر، علما بأن أول من تحدث بشأن هذا النوع من الحرب هو المحاضر في معهد الأمن القومي الإسرائيلي ماكس ماجورين.
 
ويبدو أن المصطلح إسرائيلي أميركي صرف، حيث تم إطلاقه عندما وجدت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 أن الولايات المتحدة لا تحارب دولة محددة، كما يبدو أن النسخة المصرية لفكرة "حروب الجيل الرابع" انتزعت من سياقها كنظرية عسكرية أميركية تبرر فشل واشنطن في مواجهة "الإرهاب" إلى سياق سياسي في مصر لثورة الجماهير المطالبة بالحريات.

يقول أنطونيو إيشافاريا في دراسة له بعنوان "حرب الجيل الرابع وأساطير أخرى" إنه تم الترويج لنظرية حرب الجيل الرابع من أجل تبرير فشل أجهزة الاستخبارات الأميركية في توقع هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001

ترويج وتوظيف
ويقول الرئيس السابق لقسم الإستراتيجية والتخطيط الإقليمي في مؤسسة الدراسات الإستراتيجية بالولايات المتحدة أنطونيو إيشافاريا في دراسة له بعنوان "حرب الجيل الرابع وأساطير أخرى" نشرت عام ٢٠٠٥ "تم الترويج لنظرية حرب الجيل الرابع من أجل حفظ ماء وجه وتبرير فشل أجهزة الاستخبارات الأميركية في توقع هجمات 11 سبتمبر 2001".

ويسعى السيسي ومن حوله من "كتائب إعلامية" إلى الترويج لاعتبار أن الحركات السياسية والجماعات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب المطالبة بالديمقراطية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات وكذلك الاحتجاجات في مصر وفضائح التسريبات أيضا تتم تحت إطار "حروب الجيل الرابع" لإسقاط نظامه، متجاهلا ما يتهمه به خصومه من أنه صادر إرادة شعب مصر منذ 3 يوليو/تموز 2013.

ويقول الخبير الإستراتيجي بلال المصري -سفير مصر السابق في أنغولا والنيجر- للجزيرة نت "إن حروب الجيل الرابع تحدث بين دول ومنظمات، ويستهدف كل طرف فيها تحطيم الروح المعنوية للطرف الآخر، وهي تعبير مخابراتي"، مضيفا أن مصر "التي كانت تفاخر بتوحد نسيجها الوطني أصبحت الآن مفتتة يتلاعب بها إعلام تافه بسبب منظومة تعليمية فاشلة".

وتطرق السفير المصري السابق إلى سياق التسريبات الذي جاء فيه استخدام تعبير حروب الجيل الرابع، قائلا "للتسريبات سوابق عديدة في العالم، ومن بينها فضيحة ووترغيت التي أسقطت الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون في أغسطس/آب 1974, وتسريبات ويكليكس الشهيرة أيضا، ولم يقل أحد في وقتها إنها جيل رابع من الحروب".

عصام عبد الشافي: التسريبات تهدف لكشف ممارسات سلطة الانقلاب في مصر (الجزيرة)
استثمار الأزمات
وبشأن ادعاء السيسي بأن التسريبات غير حقيقية، قال المصري "لدى دول الخليج أجهزة مخابرات متميزة، وهي تملك القدرة على معرفة حقيقة التسريبات".
 
أما أستاذ العلوم السياسية والخبير في العلاقات الدولية عصام عبد الشافي فيقول "من خلال حروب الجيل الرابع يجري استثمار الأزمات الداخلية في إثارة الفتن وتكوين حالة من الفوضى تؤدي إلى إفشال الدولة، وبالتالي يتحول الجيش إلى شرطة داخلية، هذا إن نجا من التصدع والانهيار".

وردا على ربط السيسي بين التسريبات وحروب الجيل الرابع، قال عبد الشافي "كلام السيسي غير صحيح، لكون أنه في الحالة المصرية الهدف من التسريبات هو كشف ممارسة سلطة الانقلاب والاعتماد على التسريبات كآلية من آليات مواجهته، ومن المنطقي أن يكون للتسريبات مثل هذا التأثير لدى قائد الانقلاب في ظل ما كشفت عنه من ممارسات غير أخلاقية وفساد تنال من كل الهالة الإعلامية الخادعة التي رسمها السيسي حول نفسه".

المصدر : الجزيرة