قطعت أوصالها الحواجز واستوطنها الظلام والخوف والجوع. إنها الفلوجة العراقية حيث تقع الأحياء تحت سيطرة تنظيم الدولة، بينما تستقبل الرصاص والبراميل من الجيش الحكومي وسط غياب الخدمات ونقص الأدوية وفرار الأطباء.

الجزيرة نت-الفلوجة

تعيش مدينة الفلوجة العراقية (غرب بغداد) ظروفا إنسانية قاسية، في ظل تواصل القصف المدفعي والجوي، وسقوط قذائف الهاون والبراميل المتفجرة بصورة شبه مستمرة داخل أحيائها وأسواقها طوال ساعات النهار.

والفلوجة ذات الأغلبية السنية والواقعة تحت سيطرة مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، تشهد أزمات حادة في الكهرباء والمياه، وبات الانتقال منها باتجاه بغداد أمرا بالغ الصعوبة ويحتاج إلى ساعات طويلة.

ويقول أحد السكان إن الانتقال إلى بغداد بات يشبه السفر من دولة إلى أخرى حيث الحواجز الأمنية والمشي على الأقدام لعدة كيلومترات، بينما لم تكن المسافة بين المدينتين تستغرق أكثر من أربعين دقيقة في السابق. وتابع أن قوات الجيش المرابطة في معسكري المزرعة وطارق تستهدف الأحياء وتجمعات الناس.

ووفق أحد شباب الفلوجة، فإن انقطاع الطرق التي تربط مدن الأنبار بالمحافظات الأخرى جعلها خارجة عن الحضارة.

ويسود في الفلوجة مشهد المنازل المدمرة من آثار الحرب، بينما يعم الظلام الأحياء السكنية في الليل بعد أن تخمد أصوات المولدات الكهربائية وينفد وقودها.

جانب من تضرر الأحياء السكنية جراء القصف والمعارك (الجزيرة نت)

دوي الرصاص
لكن الصمت في الفلوجة لا يدوم طويلا حتى يسمع الأهالي أصوات سقوط الهاون أو رشقات الرصاص.

ويقول الشاب الذي فضل عدم ذكر اسمه إنه يحاول بكل الطرق نشر صور جثث الأطفال والنساء لإيضاح ما يجري داخل بلدات يحاصرها الجيش منذ أكثر من عام.

ويشتكي من سوء خدمات شركات الاتصال حيث يصعب استخدام شبكة الإنترنت، وتعتذر الشركات العاملة هناك عن توسيع الخدمة لأنها تخشى إرسال المهندسين والفنيين لخطورة الوضع الأمني.

ويقول الشاب إن السكان في مناطق الحرب يموتون داخل المستشفيات، بسبب نقص الأدوية وأكياس الدم والمستلزمات الطبية الأخرى، كما تمنع السلطات خروج الأهالي من تلك المناطق، بينما أصحاب الإصابات الشديدة لا يمكن علاجهم في الداخل.

بالمقابل يفضل بعض الأطباء مغادرة الفلوجة إلى دول الجوار بعد أن يئسوا من نهاية مسلسل العنف المستمر.

كما ضاق آخرون ذرعاً بالمسافة الطويلة التي يتوجب قطعها من جنوب بغداد أو كربلاء للوصول لمستشفى الفلوجة، إلى جانب خطورة الطريق. وقد حاولوا نقل خدماتهم إلى محافظات أخرى.

ويضيف الشاب أن التيار الكهربائي مقطوع بالكامل فيما ترتفع أسعار الوقود والمواد الغذائية بشكل كبير.

وحسب إفادته، فإن ثمن كيس الطحين وصل إلى 60 ألف دينار (50 دولارا)، وأسطوانة الغاز إلى مائة ألف دينار (90 دولارا)، وكلاهما غير متوفر بسهولة، بينما يكتفي السكان بوجبة واحدة خوفا من نفاد الطعام.

وتوقف نشاط سوقي العقارات والسيارات، حيث لا توجد دوائر تعمل على نقل الملكية، كما يخشى البعض شراء العربات المسروقة.

البجاري: القوات الأمنية لا تسمح بمرور "قشة" إلى الفلوجة، وتأخذ الدواء الشخصي من المرضى في نقاط التفتيش

تضييق وتفتيش
وعن ذلك يقول عضو المجلس المحلي المؤقت محمد البجاري للجزيرة نت، إن القوات الأمنية لا تسمح بمرور "قشة" إلى الفلوجة، وتأخذ الدواء الشخصي من المرضى في نقاط التفتيش، وتضيق الخناق في عمليات الدخول والخروج.

ويضيف البجاري أن المستشفى الوحيد في الفلوجة ما زال يقصف بالصواريخ باستمرار.

ويقدر عدد المقيمين في مركز المدينة  بعشرة آلاف نسمة، بينما تختفي المشتقات النفطية وتنفد الأغذية من المتاجر.

ولا يزال موظفون في وزارة الكهرباء يعملون على ربط الأسلاك المقطوعة التي تضررت من العمليات العسكرية، أملا في عودة التيار المقطوع منذ ستة أشهر.

من جهة ثانية، يقول البجاري إنه تجول مؤخرا في المدارس التي استؤنفت فيها الدراسة بشكل طبيعي وفق المناهج الحكومية السابقة ويستخدم طلابها كتبا مستعملة. وأكد أنه لم يتم تغيير المناهج من قبل أي جهة.

وطالب البجاري بإنقاذ السكان من الجوع وتوفير المواد الطبية والأدوية، وإنشاء ساحة تبادل تجاري في منطقة قريبة من الفلوجة.

المصدر : الجزيرة