تواجه أسواق القدس العتيقة وتجارها حالة موت بطيء وحرب استنزاف إسرائيلية شرسة، دفعتهم للاستغاثة طلبا لمقومات الصمود في مواجهة أذرع أخطبوط الاحتلال منذ انتزاع المدينة من حاضنتها الضفة الغربية قبل عشر سنوات.

وديع عواودة-القدس المحتلة

يخطر ببال زائر القدس المحتلة وأسواقها القديمة هذه الأيام قصيدة الغضب لمظفر النواب عن عروس العروبة وتسلل الطامعين لحجرتها في الليل والنهار لاغتصابها.

ويقف أهل المدينة الفلسطينيون بصدور شبه عاريه وتقف البلدة القديمة في وجه أذرع أخطبوط الاحتلال، وتتهاوى أسواقها بالتدريج رغم صرخات تجارها الذين التقتهم الجزيرة نت، ولسان حالهم يتركز على صراع القدس من أجل البقاء.

وكلما تقدمت مشيا في أسواق القدس العتيقة من باب العمود باتجاه باب الخليل ازداد شعورك بعمق الأزمة، إذ تصطدم بمحال تجارية مغلقة هجرها أصحابها بعد أن أفلسوا، كما هو الحال في سوق العطارين الذي يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة بسبب قلة رواده.

ولا يختلف حال سوق الخواجات وسوق اللحامين عن ذلك، فما تبقى من تجاره يشكون بقلوب أثقلها التعب، "الموت البطيء" لتجارتهم بخلاف الأسواق المزدهرة في منطقة باب الخليل والحي اليهودي حيث التجار اليهود.

القدس تواجه أزمة عميقة وتجارها يهجرون محالهم بسبب الإفلاس (الجزيرة)

الحاضنة الفلسطينية
ويقر أحمد خطيب (33 عاما)، وهو صاحب دكان للسكاكر في سوق خان الزيت، بأن أسعار السلع نفسها في القدس أغلى منها في سائر الضفة الغربية نتيجة الكلفة العالية للخدمات والضرائب الباهظة التي تفرضها إسرائيل.

ويستذكر أن أزمة الأسواق بدأت مع انتزاع القدس من حاضنتها (الضفة الغربية) ومحاصرتها بالجدران منذ نحو 10 سنوات.

ويرى خطيب أن سلطات الاحتلال تتعمد تضييق الخناق على القدس القديمة بموازاة تسهيل حركة دخول وخروج فلسطينيي الداخل من بقية مدن الضفة الغربية وإليها.

وعن ذلك تقول ميسر الحاج أم قاسم (60 عاما) من الناصرة، إنها قلما تزور القدس بسبب بعدها الجغرافي، خاصة في شهر رمضان حينما تقوم جهات اجتماعية وسياسية داخل أراضي 1948 بترتيب رحلات الرباط للأقصى.

وتشير إلى أنها واظبت على زيارة القدس وأسواقها طيلة سنوات، لكنها استبدلت مدينة جنين بها لقربها ورخص أسعارها.

وحالة محمد الجعبري (52 عاما) أكثر سلبية، فهو يبيع ساعات اليد منذ 27 عاما، ويقول إن الوضع في السوق "من سيئ إلى أسوأ".

ويشير لسبب آخر يقف خلف أزمة الأسواق، ويقول إن جهات إسرائيلية كثيرة تحرض السائحين الأجانب على عدم الشراء من محال الفلسطينيين متهمين إياهم بالغش والاحتيال.

تجار القدس يشكون من عجز غرفة التجارة عن مساندة الآلاف منهم (الجزيرة)
أسباب عدة
ويفسر عدنان، وهو تاجر متجول في أسواق القدس، تفاقم أزمة التجار رغم اكتظاظها بالرواد، ويقول إن هؤلاء يشترون أشياء بسيطة أو يأتون للنزهة، وإن المجمعات التجارية وانعدام مواقف المراكب زادت من ضعف حالنا.

وفي سوق العطارين تبدو الصورة محزنة أكثر، فالسوق يكابد الهجران بعدما كان يضج بالحياة، كما يقول أبو سليم الذي يملك دكانا لبيع الملابس منذ العام 1960.

ويستذكر محاصرة القدس بجدران الفصل ومنع سكان المناطق المحيطة بها من دخولها وتحولهم إلى مدينتي رام الله وأبو ديس المجاورتين.

ويتابع قائلا "الكثير من زملائي التجار يكابدون ديونا مالية رغم انخفاض رسوم استئجار المحال من عشرة آلاف دينار إلى 2000 دينار بالسنة".

ويصغي أبو عبد الحليم إلى ما قاله أبو سليم وهو يهز برأسه مشيرا لموافقته على ما يسمع، ويضيف "أنه لم يبع شيئا منذ الصباح رغم أن النهار يشارف على الانتهاء، ويقول شاكيا "خليها على الله".

ويضيف، "كثيرون منا يعجزون عن مواصلة العمل فيغلقون محالهم أو يجلسون يواسي كل منهم الآخر مستذكرين سنوات كنا نعمل فيها حتى منتصف الليل".

وفي سوق اللحامين "القصابين" لم يبق سوى 30 من أصل 96 محلا مفتوحا بسبب الأزمة العميقة، لكن سامر صاحب أحد المحال لا يكتفي باتهام الاحتلال، ويوجه انتقادات ذاتية للمقدسيين والفلسطينيين أيضا.

أزمة أسواق القدس بدأت مع انتزاعها من حاضنتها الضفة الغربية (الجزيرة)

نقد ذاتي
ويقول سامر إن بلادا كثيرة تعرضت للاحتلال والاستعمار، وينوه إلى ضعف الثقافة السياسية وفقدان الخطة الحقيقية لمواجهة الحصار الإسرائيلي للقدس.

وشدد على أن إنقاذ ما تبقى من المدينة يتطلب دعما معنويا ومساهمة في تحريك عجلتها الاقتصادية.

وأضاف أن "تفضيل الفلسطينيين المجمعات التجارية الكبرى على القدوم للشراء منا طمعا بالراحة الشخصية يعني خيانة القدس، فمن يريد القدس يأتي إليها ويزور أسواقها ويساهم بمنع هجرانها وتفريغها".

الجزيرة نت انتظرت بعض الوقت حتى حضر أحد الزبائن، إنه الحاج فريد البديري (72 عاما)، وهو أحد الحريصين على شراء اللحوم من سوق القدس القديمة.

ويتفق البديري مع ما ردده التجار بأن البلدة القديمة تواجه حرب استنزاف وبأنهم يحافظون على عيشهم فيها بشق الأنفس، ويقول إن قدومه للشراء من أسواق القدس مساهمة متواضعة منه في تثبيت بقاء المدينة.

ويشكو التجار من عجز غرفة تجارة القدس عن إسعاف آلاف المحال التجارية العربية التي تواجه الحصار وقلة الرواد وضعف الثقافة على الصمود.

المصدر : الجزيرة