تشهد علاقة إقليم كردستان العراق بالجارة تركيا انفتاحا متسارعا، وتأتي زيارة رئيس حكومة الإقليم نيجرفان البارزاني لأنقرة في إطار تعزيز هذه العلاقة، ويتصدر ملفا تصدير النفط والمسألة الكردية أجندة الزيارة التي حظيت باهتمام تركي واضح.

خليل مبروك-إسطنبول

حظيت زيارة رئيس حكومة إقليم كردستان العراق نيجرفان البارزاني العاصمة التركية أمس الجمعة بمكانة متقدمة لدى الساسة الأتراك، وتناولت ملفي النفط والمسألة الكردية بشكل أساسي، وهما الملفان اللذان يشكلان أساس العلاقة بين الجانبين.

وتنبع أهمية الزيارة من عوامل عدة تتعلق بقدرة أربيل وأنقرة على تجاوز الحساسية العرقية التاريخية بينهما، والاستناد بدلا منها على حسابات المصالح المشتركة، بعيدا عن تقديرات بغداد للعلاقة بين الجانبين.

وتأتي زيارة البارزاني أنقرة بعيد أيام من زيارته بغداد ولقائه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وقد وُصفت الزيارة في حينها بأنها مخيبة للآمال بسبب رفض بغداد دفع حصة إقليم كردستان البالغة 17% من الموازنة العامة العراقية وفقا لدستور البلاد.

وكان البارزاني استهل زيارته بلقاء مغلق مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحضور وزراء الاقتصاد والطاقة والموارد الطبيعية وعدد من المسؤولين الأتراك، قبل أن يجتمع في لقاء مغلق ثان برئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو.

 الملاح: تركيا وإقليم كردستان نجحا في تغليب حسابابت المصالح على الخلاف (الجزيرة)

حسابات المصالح
وقال محللون سياسيون إن الطابع الاقتصادي للزيارة لا يحول دون قراءة الكثير من التفاصيل السياسية في أجندتها، مشيرين إلى علاقتها المباشرة بمسيرة السلام التركية مع الأكراد وتطورات الواقع الميداني في العراق، في ظل نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية.

فقد أكد المحلل السياسي العراقي أحمد الملاح أن تركيا وإقليم كردستان نجحا في تغليب حسابات المصلحة على الحالة التاريخية من العداء، موضحا أن "أربيل تغيرت منذ العام 2003 باتجاه الانفتاح على تركيا".

وقال الملاح متحدثا للجزيرة نت إن "المسؤولين في إقليم كردستان يدركون أن تركيا التي تتعاظم مكانتها الإقليمية والدولية هي بوابتهم لأوروبا والعالم، في حين ترى أنقرة في الإقليم موقعا مهما لتصدير سلعها واستثمارات شركاتها، الأمر الذي أدى إلى التعاون وتغليب المصلحة بين الطرفين".

وكانت مصادر دبلوماسية من إقليم كردستان قد أشارت عند الإعلان عن نبأ الزيارة إلى أن على رأس أجندتها بحث سبل تصدير نفط شمال العراق عبر مرفأ جيهان التركي.

وتشير معطيات إحصائية إلى أن عدد الشركات التركية العاملة في كردستان العراق يبلغ 1100 شركة تشكل ما تزيد عن 47% من الشركات الأجنبية التي تنشط هناك، في حين يقيم قرابة 100 ألف عامل تركي في أربيل مستفيدين من تسهيلات الإدارة المحلية للأجانب.

 إنجة: البارزاني قد يلعب دورا مركزيا في عملية السلام التركية مع الأكراد (الجزيرة)

نار في بغداد
وفي عالم السياسة المصاحب لحسابات الاقتصاد، أوضح الملاح أن "الزيارة تساهم في إضعاف مكانة الزعيم الكردي المقاتل عبد الله أوجلان لصالح مسعود البارزاني الذي تلتقي أربيل وأنقرة على ضرورة تعزيز مكانته قائدا للأكراد في العالم".

وعن موقف الحكومة المركزية العراقية من هذه التطورات، قال الملاح إن تقارب أنقرة وأربيل "أوقد نارا هادئة في بغداد، التي لا تستطيع تحريك ساكن الآن"، بسبب تراجع قدراتها المالية جراء انخفاض أسعار النفط، ولخسارتها نحو ثلث أراضي العراق لصالح تنظيم الدولة.

بدوره قال الكاتب والمحلل لسياسي التركي وحيد الدين إنجة إن خلافات أربيل مع بغداد تحدّ من قدرتها على تصدير النفط عبر تركيا باعتبارها إقليما غير كامل السيادة، مرجحا أن يكون "بحث حلول هذه المسألة على رأس أجندة زيارة البارزاني أنقرة".

وأشار إنجة في حديثه للجزيرة نت إلى أن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني قد يلعب دورا مركزيا في عملية السلام التركية مع الأكراد في ظل تعدد مرجعياتهم القيادية، واختلاف مواقفهم السياسية بين رؤى أوجلان وحزب الشعب الديمقراطي الممثل بالبرلمان، وحكومة إقليم كردستان العراق، وغيرها من مراكز صنع القرار الكردي.

ولم يستبعد الخبير في العلاقات التركية الكردية أن يقوم البارزاني بدور وساطة في المفاوضات بين أنقرة وجبل قنديل الذي يؤوي مقاتلي حزب العمال الكردستاني وقيادة منظومته العملياتية الصلبة، التي تتحين الفرصة لإفشال مسيرة السلام والعودة إلى جبهات القتال.

يشار إلى أن الأعوام الثلاثة الأخيرة شهدت زيارات متبادلة مستمرة بين المسؤولين الأتراك ونظرائهم من إقليم كردستان العراق لا سيما بعد إطلاق عملية السلام الداخلي مع الأكراد في تركيا عام 2012.

المصدر : الجزيرة