يبدو أن تونس دخلت مستنقع مكافحة "الإرهاب" وباتت تعطيه الأولوية على الملفات الحياتية واليومية، وبات خبز الحكومة اليومي هجمات تنظيم "عقبة بن نافع" -التي كان آخرها هجوم أسفر عن مقتل أربعة أعوان من الحرس- وتحركات تنظيم الدولة الإسلامية بليبيا.

خميس بن بريك-تونس

يرى بعض المراقبين في تونس أن الحكومة الحالية تسعى إلى نوع من المقايضة بين محاربة الإرهاب وتحقيق مطالب الثورة من تشغيل وتنمية ودعم الحريات، فيما يؤكد آخرون أنه لا يمكن تحقيق تلك المطالب في ظل انعدام الاستقرار والأمن.

وتفجر الجدل عقب مقتل أربعة من عناصر الحرس قالت وزارة الداخلية إن عناصر متشددة تنتمي لتنظيم "عقبة بن نافع" تقف وراءه، إضافة إلى تحركات تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، وهو ما جعل السلطات تقرر وضع محاربة الإرهاب على رأس أولوياتها.

غير أن أمين عام حزب الإصلاح والتنمية محمد القوماني يقول إنه على الرغم من أن المسألة الأمنية تبقى مهمة في الوقت الراهن فإن تأكيد الحكومة والرئاسة والبرلمان على الأولوية في مجابهة الإرهاب "سيكون بالضرورة على حساب أهداف الثورة".

القوماني: الحكومة تشغل الناس عن تحقيق استحقاقات الثورة بتقديم أولوية محاربة الإرهاب (الجزيرة)

ثنائيات خاطئة
ويضيف -في حديث للجزيرة نت- أن المسألة الأمنية التي لم تغب منذ هروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ظلت مطروحة في تونس بنوع من المقايضة بين تحقيق الأمن ودعم الحريات وبين القضاء على الإرهاب وتحقيق التنمية وهي ثنائيات "خاطئة".

ويرى القوماني أن التركيز على محاربة الإرهاب مقصود في حد ذاته، وأوضح أن الحكومة تشغل الناس عن تحقيق استحقاقات الثورة بتقديم أولوية محاربة الإرهاب على بقية الملفات. وأكد أن برنامج الحكومة لم يتضمن إجراءات فعلية لإصلاح الأوضاع.

ويخلص إلى أن تأجيل إصلاح الأوضاع المتدهورة في البلاد على جميع الصعد يضعف انخراط المواطنين بجهود مكافحة الإرهاب ويؤجج الاحتجاجات، الأمر الذي قد يفتح الباب من جديد أمام عودة الممارسات الأمنية السابقة، وفق رأيه.

غير أن خالد شوكات القيادي في حركة نداء تونس التي تمتلك الأغلبية بالبرلمان والمسؤولة دستوريا عن تشكيل الحكومة يقول إن برنامج الحكومة منصب أساسا على دفع التنمية بالمناطق الفقيرة ودفع الاستثمار والتشغيل وتحسين ظروف عيش الناس.

ويتابع -في حديث للجزيرة نت- أن تحقيق تلك المطالب يستوجب قدرا من الاستقرار باعتبار أن كليهما له تأثير على الآخر، وبين أن "الحكومة لم تنزع الأهمية عن مطالب الثورة لكنها تسعى للعمل على جبهتين لأنه تم جر البلاد لحرب مفتوحة ضد الإرهاب".

شوكات: برنامج الحكومة منصب على دفع التنمية بالمناطق الفقيرة ودفع الاستثمار (الجزيرة)

مقاربة شاملة
من جانبه، يقول بدر الدين عبد الكافي القيادي في حركة النهضة -أحد الأطراف المشاركة في الحكومة- إن وضع محاربة الإرهاب في صدارة اهتمامات الحكومة ليس ذريعة للتنصل من تحقيق أهداف الثورة التي قال إنها لا يمكن أن تتحقق في غياب الأمن.

ويؤكد للجزيرة نت أن وضع المسألة الأمنية على رأس أولويات الحكومة كان أمرا مفروضا عليها وليس لها فيه أي خيار بسبب الاعتداءات والمخططات الإرهابية التي تستهدف البلاد إضافة إلى تدهور الوضع الأمني الإقليمي والدولي، وفق تعبيره.

أما من وجهة نظر الحقوقي وعضو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية مسعود الرمضاني فإن اقتصار محاربة الإرهاب على المعالجة الأمنية وحدها لا يجدي نفعا بقدر ما من شأنه أن يعطل مطالب الثورة ويضيق على الحريات.

ويقول للجزيرة نت إن القضاء على الإرهاب يتطلب مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والأمنية، ملاحظا أن سياسة الحكومات قبل الثورة لم تثبت نجاحها لأنها ركزت عملها على الجانب الأمني.

ويختم الرمضاني بأن الحكومة لا يمكن أن تتخلص من الإرهاب في ظل غياب التنمية والاستثمار وارتفاع معدلات البطالة والفقر، لافتا إلى أن المناطق الفقيرة بالبلاد تحتل المراتب الأولى في الانتحار والسفر للقتال إلى سوريا والهجرة السرية وغيرها.

المصدر : الجزيرة