دخل لبنان المستنقع السوري مبكرا، ووصلت شرارة الحريق إليه عبر تفجيرات تبنتها تنظيمات تقاتل بسوريا، وخرج رجال دين من مساجد يدعون في خطب الجمعة لقتال الجيش والانشقاق عنه، الأمر الذي دفع دار الفتوى لتوحيد خطب الجمعة وتسجيلها.

علي سعد-بيروت

التزم الشيخ خليل الشعراوي إمام مسجد المكحل في منطقة عرمون (جنوب بيروت) بالتعميم الذي يصدر عن دار الفتوى بخصوص المواضيع التي تتناولها خطب الجمعة في المساجد التابعة لها، مشيرا إلى أن خطبته اليوم تناولت الموضوع الأخلاقي للسيرة الحسنة وحسن التصرف.

ويقول الشيخ الشعراوي للجزيرة نت إنه لا يتطرق إلى الشؤون السياسية إلا إذا كان هناك تعميم من دار الفتوى لتناول موضوع معين، معتبرا أن فكرة التعميم هذه مفيدة جدا، وتصب في صالح الوطن والطائفة السنية، ولا أحد أولى من دار الفتوى للنظر في شؤون السنة في لبنان.

وكثيرا ما يجنح أئمة المساجد من مختلف الطوائف في لبنان عن الشأن الديني في خطب الجمعة باتجاه المواضيع السياسية المطروحة في البلاد، مما ولّد نوعا من التطرف، أو على الأقل أثار بعض النعرات الطائفية في بلد يعيش فيه 18 طائفة، ويشهد توترا مذهبيا متفاقما بين السنة والشيعة.

ويبدو أن دار الفتوى -التي تُعنى بشؤون الطائفة السنية- أخذت على عاتقها موضوع ضبط المساجد التابعة لها من خلال سلسلة قرارات، أبرزها رسم سياسة موحّدة للدار عبر اقتراح موضوع خطب الجمعة لكلّ مساجد لبنان، حيث تركّز على ضرورة نبذ التطرف والفتنة، والتشجيع على الاعتدال والعيش المشترك.

وتشمل خطوات دار الفتوى أيضا تسجيل خطب الجمعة ومراجعة أداء المشايخ الذين لا يلتزمون بتوجيهات الدار الصادرة عن الأوقاف الإسلامية.

 هشام خليفة (يسار) يقر بوجود أشخاص يعتنقون أفكارا متشددة في المساجد (الجزيرة)

ظواهر جديدة
وأقر مدير الأوقاف الإسلامية في دار الفتوى الشيخ هشام خليفة بوجود بعض الأشخاص الذين يعتنقون أفكارا متشددة داخل بعض المساجد أو خارجها، لكن المقصود من هذا التوجه في الأساس أن تكون هناك فكرة موحدة بين خطب الجمعة، وهذا من أرقى ما تصل إليه الأمم.

ويسود تخوف في لبنان من أن تنتج المساجد غير المنضبطة ظواهر مثل الشيخ السلفي أحمد الأسير الذي بدأ كإمام مسجد في بلدة عبرا شرق صيدا (جنوب لبنان) قبل أن يخوض مواجهات مع الجيش اللبناني أدت إلى احتلال المسجد وتواريه عن الأنظار.

وتمنى الشيخ خليفة -في حديث للجزيرة نت- أن ينجح هذا المسعى. مشيرا إلى أن تسجيل خطب الجمعة نظام قديم معتمد لحماية بعض الأئمة، فأحيانا يفهم المصلون كلام الإمام خطأ ويحمّلونه ما لا يحتمل، وعندها تكون دار الفتوى هي الحكم.

وتسود في الفترة الأخيرة بلبنان أجواء تهدئة وتنفيس للاحتقان عبر أكثر من منتدى حواري، أبرزها الحوار بين تيار المستقبل وحزب الله، الذي أتم ست جلسات منذ بدايته قبل حوالي شهرين، ونجح في اتخاذ خطوات انعكست إيجابا على مستوى خفض سقف الخطاب وإزالة الشعارات السياسية والمذهبية في بيروت وصيدا وطرابلس.

دورات للعلماء
لكن وسط هذا الجو الحواري هل تكون خطوة دار الفتوى مكملة لهذا الحوار أم أنها مجرد تجميل لواقع ليست المساجد وحدها مسؤولة عنه؟

يجيب مدير الشؤون الدينية في جمعية المقاصد الإسلامية الشيخ فؤاد زراد عن ذلك بأنه إذا كانت المساجد غير قابلة للضبط فلن ينفع لا التسجيل ولا توحيد الخطب، مشددا على ضرورة وجود إدارة تدير العلماء وتوجههم وفق سياستها.

وأضاف زراد للجزيرة نت أن الرقابة على المشايخ ليست شيئا ناجحا، لأنه "إذا كانت المؤسسات التعليمية الدينية تخرّج أشخاصا غير جديرين، فخط الإنتاج سيعطي نتائج سيئة".

وأكد أن هذه القرارات لا تعطي نتيجة، خاصة أن الموضوع لا يتوقف على المساجد، داعيا دار الفتوى إلى إجراء دورات لعلمائها لإدارة الخطاب الديني في مساجدها، وهذا ربما يعطي نتائج أفضل.

المصدر : الجزيرة