أطفال سوريون فروا إلى لبنان من نار المعارك طلبا للأمن، يموتون حرقا بنار أوقدوها التماسا للدفء في خيام لا تقي من برد، وبيوت من صفيح لا تتوافر فيها أدنى مقومات الأمان، ويسألون عن رعاية المنظمات الدولية ومؤسسات الإغاثة لشؤونهم.

أسامة العويد-المنية-شمالي لبنان

لا يمكن وصف شعور "أمينة" إلا عبر عدسات الكاميرا، تتكئ على باب غرفة جارتها وعويلها دوى في الأرجاء، بعد احتراق طفلها ميمون (عامان) وطفلتها أمينة (4 أعوام) أمام عينيها.

أمينة تعيش مع زوجها محمود سليمان في منطقة بحنين في حي الشراكسة بمحافظة عكار شمالي لبنان، تقطن في غرفة من التنك والخشب، بنيت على سطح أحد أبنية الحي.

تقول وهي في حالة من الإعياء والتعب "نزلت لأحضر بعض الحاجيات، وتركت أولادي يلهون في الغرفة ومعهم ابنة عمهم روعة بعدما أوقدت لهم مدفأة الحطب، فالطقس بارد جدا، لكنني لا أدري.. لا أدري".

رجال الإطفاء تدخلوا لإخماد الحريق
الذي التهم الأطفال الثلاثة (الجزيرة نت)

هنا قدرنا
وتبكي أمينة وتضيف "احترقوا أمامي.. يا الله أطفال.. أين الأمم المتحدة والهيئات التي تدعي أنها تؤمّن لنا المسكن، هربنا من الإجرام هناك في سوريا واليوم هنا.. قدرُنا.. حسبي الله ونعم الوكيل".

ويجلس الأب محمود على درج في ذلك المبنى هو وشقيقه طلال الذي فقد ابنته روعة أيضا (4 أعوام).

وتشعر للوهلة الأولى أنك تتحدث مع رجل فقد عقله من شدة الصدمة، فيداه المليئتان بالسواد من أثر الحريق خير دليل على محاولات الإنقاذ التي باءت بالفشل، فقد فاته القطار ولم يستطع -حتى بمساعدة الجيران- من الوصول إلا بعدما التهمت النيران الأجساد البريئة.

الحريق الذي تسببت به مدفأة مهترئة
بعد إخماده (الجزيرة نت)

التهمتهم النار
يقول محمود للجزيرة نت "ماذا أقول؟ بينما كان الأطفال داخل الخيمة، إذا بالجمر يسقط من المدفأة المهترئة، وتبدأ النيران بالتهام الغرفة، منهم الصغير ومنهم من صدمه المشهد.. لقد ماتوا وهم أحياء، وهذا بيتي، إنه عبارة عن غرفة من خشب فوق سطح العمارة، وعندما وقعت الحادثة كنت بعيدا عن المنزل".

ويصمت محمود قليلا ليرتفع صوت آخر، ونسأل: من هذا؟ فيجيب أحد الجيران "هذا طلال شقيق محمود الذي احترقت طفلته أيضا"، ونقترب من طلال فيقول "كلامنا إلى الأمم المتحدة التي تسرق المليارات، وإلى كل من يدعي العمل في المجال الإغاثي ولا يكترث بحقوقنا، وأبسطها أن يكون لنا منزل نلجأ إليه ونتقي به مثل هذه الكوارث".

ويضيف "بالأمس حصل هذا في مخيمات أخرى عديدة، واليوم طفلتي التي حملتها من سوريا هربا من حمم القذائف، أجد الموت نفسه بانتظارها بطريقة مختلفة، مع صمت دولي على حالنا وصمت الجميع عن واقعنا المرير، فما ذنب هؤلاء الأطفال الثلاثة الذين احترقوا وحرقوا قلوبنا معهم؟".

العائلة السورية اللاجئة المفجوعة بأطفالها تسأل عن دور المنظمات الإنسانية (الجزيرة نت)

وسائل بدائية
الشاب اللبناني أحمد الذي هرع إلى المكان لحظة رؤيته النار، قصّ للجزيرة نت ما رأى وقال "هرعنا على صراخ نساء الحي إلى السطح، وقمنا بإطفاء النيران، وكانت طريقة الإطفاء بدائية وخاصة استخدام القماش والماء، إلى أن وصلنا إلى الأطفال وانتشلناهم وكانوا قد فارقوا الحياة بعدما أكلت النيران أجسادهم".

ويضيف أن "الطفلة روعة كانت جعلت وجهها أرضا وكأنها كانت خائفة من المشهد، نامت على بطنها ولكن للأسف النار أكلت جسدها ويمكنك رؤيتها وهي متفحمة. وميمون البالغ من العمر سنتين تفحم جسده أيضا بالكامل، وقد أخذته وحملته، وعندها حضر والده وأمه التي أخذت بالصراخ والعويل".

هو القدر الذي حل بهذه العائلة التي فرّت من بطش النظام السوري في حمص، واستقرت بأطفالها الذين لاقوا مصيرهم حرقا، ليضافوا إلى سجلات الذين ماتوا في خيامهم بردا أو حرقا بنيران التمسوا فيها الدفء فأهلكتهم.

المصدر : الجزيرة