أنس زكي

جاءت الضربة الجوية التي وجهها الجيش المصري إلى مواقع في ليبيا ردا على قتل 21 مسيحيا مصريا في ليبيا لتفجر جولة جديدة من صراع بات معتادا لدى المصريين يتعلق بدعاوى الوطنية واتهامات التخوين.

فمنذ تدخل الرئيس الحالي ووزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي لعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي، انقسمت مصر إلى فسطاطين يتمسك أولهما بشرعية مرسي ويصف ما حدث له بانقلاب نفذه قائد الجيش، بينما يحتفي الآخر بالسيسي الذي تحول من وزير دفاع إلى رئيس، فيما انتقل مرسي وكثير من مؤيديه إلى غياهب السجون.

واختارت السلطة الجديدة طريق ملاحقة معارضيها سواء كانوا من أنصار السلطة السابقة أو ممن عارضوا الاثنتين، كما دأبت على اتهام أعضاء جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها مرسي بالإرهاب بل واستصدرت أحكاما قضائية بذلك، ليستعر الصراع بين "الانقلابيين" و"الإرهابيين" حسب الأوصاف التي باتت مستخدمة على نطاق واسع.

تخوين الآخر
يوما بعد يوم تتصاعد حالة الاستقطاب السياسي لتترك آثارا سلبية هائلة على المجتمع، فكانت في البداية مرحلة تشبث كل مصري بصحة رأيه وصواب موقفه، قبل أن ينحدر الكثيرون إلى مستنقع تخوين الآخر لمجرد اختلاف الرأي أو تباين الموقف.

حدث هذا مرارا عندما شن الجيش المصري غارات على ما وصفها بمواقع لمسلحين وإرهابيين في سيناء، وهو ما أيده البعض باعتباره حربا مشروعة على الإرهاب وعارضه أخرون رأوا أن القصف عشوائي في معظمه وأن ضحاياه من المدنيين الأبرياء أكثر من المسلحين المستهدفين.

لكن الأمر بلغ ذروته بعدما استهدفت طائرات الجيش المصري ليبيا بقصف رأى فيه المؤيدون نصرا للوطن وحفاظا على هيبة الدولة وردعا لمن تسول له نفسه المساس بمصر أو مواطنيها.

حسابات الغارة
وكالعادة كان لمعارضي السلطة رأي آخر، فلم يستسيغوا أن يقوم جيش الشقيقة الكبرى بقصف دولة عربية جارة مهما حدث، وانتقد بعضهم ما اعتبره تقاعسا عن حل الأزمة قبل قتل المختطفين، في حين رأى آخرون أنه حتى لو كانت الضربة مبررة فقد كانت الحكمة تقتضي أن نضع في الحسبان وجود مئات الآلاف من المصريين في ليبيا يمكن أن يلقى بعضهم نفس مصير من خطفوا ثم قتلوا.

وكأن الضربة ألقت وقودا على نار الخلاف الذي تعكسه صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، فاعتبر مؤيدو السلطة أن مجرد مناقشة مبرراتها ونتائجها ناهيك عن التشكيك فيها هو خيانة للوطن، ورأى آخرون أنه لا مجال لأي موقف آخر، معتبرين أن الخيار هو أن تكون مع مصر أو ضدها "وأنا اخترت مصر".

وفي جدل آخر على فيسبوك تمسك أحد المؤيدين بجدوى وصواب الغارة الجوية، فكان رد المعارض أنه اعتبر أن المؤيدين "خونة للوطن وتجار حرب

صوت المعركة
عبر عن ذلك بطريقة أخرى أحد المشاركين في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، حيث كتب "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. وإن علا صوت فهو خائن خائن خائن. وحدوا صفوفكم واستقبلوا قبلة الوطن والجهاد والنصر".

ومع أن كل معسكر بات يغلق مناقشاته على أعضائه في كثير من الأحيان، فقد شهدت إحدى الصفحات مناقشة أراد فيها أحد المعارضين أن يتحدث عن تداعيات سلبية محتملة لما حدث فجاءه الرد من صديقه المؤيد للسلطة قائلا "حارب الأول وانصر بلدك ولو بالكلمة، قول واحد لا نقاش فيه، لا وقت للتنظير، لا تخذل ولا تساعد على الخذلان".

وفي جدل آخر على فيس بوك، تمسك أحد المؤيدين للسلطة بجدوى وصواب الغارة الجوية، فكان رد أحد المعارضين عليه أنه اعتبر أن المؤيدين "خونة للوطن وتجار حرب يريدون أن يحرقوا ما تبقى منه".

وبمرور الوقت أصبحت مصطلحات التخوين هي السائدة في كثير من جدالات المصريين على الفيسبوك، وشيئا فشيئا قل هامش النقاش وتضاعف التوتر، وأصر كثير من معارضي السلطة على أنها تخوض حربا بالوكالة، بينما اختصر المؤيدون الأمر بأن مصر "ستظل أم الدنيا ولو كره الحاقدون".

المصدر : الجزيرة