بإلقاء صواريخها على مدينة درنة الليبية، دشنت المقاتلات المصرية رحلة التيه في الصحراء وآذنت بحرب يرى مراقبون أنها لن تجدي نفعا في ردع تنظيم الدولة بينما ستجعلها خصما للتيارات الجهادية حول العالم مما يعرض مصالحها ورعاياها للخطر.

سيد أحمد الخضر

من التدخل على استحياء إلى التورط المباشر، اندفعت مصر بشكل قوي نحو المستنقع الليبي ووجهت ضربات جوية لما تزعم أنه معاقل لتنظيم الدولة الإسلامية بعد إعلانه ذبح 21 من رعاياها الأقباط.

وبينما بدأ النظام حملة للحصول على تفويض دولي للتدخل في ليبيا، لم يتجاوز أثر ضرباته الجوية قتل بعض المدنيين واتهامه بتصدير أزماته للخارج وتعريض رعايا مصر في ليبيا للخطر، وفق مراقبين.

وفي ظل التشظي السياسي ونفاد خزائن المال ونشاط الخلايا الجهادية في سيناء، تبقى استجابة النظام المصري لاستفزاز تنظيم الدولة ضئيلة المردودية مقابل ما يترتب عليها من أخطار في محيط يموج بالعنف وتعصف به التغيرات.

وبالنسبة للباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية سامح راشد فإن مؤشرات الاستفزاز تبدو جلية في عملية الاختطاف ثم الإعدام من غير طلب فدية ولا منح وقت للتفاوض، خلافا للعمليات التي ينفذها التنظيم في سوريا والعراق.

وكما عقد العزم على استفزازها، نجح التنظيم أيضا في استدراج مصر لساحة الفوضى في ليبيا بشكل مباشر وأكثر جرأة من ذي قبل عندما كانت القاهرة تقوم بدور خفي وتتنصل من اتهامها بتنفيذ هجمات هناك، وفق راشد.

ويتوقع المحلل السياسي أن تواصل مصر غاراتها الجوية في ليبيا وتكثف عملياتها الاستخباراتية هناك على أن تقدم دعما عسكريا قويا لقوات العقيد المتقاعد خليفة حفتر لمواجهة التنظيمات الإسلامية على الأرض.

راشد: الدولة المصرية ليست في وضع يسمح لها بفتح جبهات بالخارج (الجزيرة نت)

تبعات وحسابات
لكن راشد ينبه إلى أن هذا القصف "غير الإستراتيجي" له حمولات وتبعات سياسية ربما سقطت من حسابات صانع القرار حيث يعكس أن القاهرة لديها الإرادة للتدخل في الخارج للانتقام لمواطنيها مما سيجعلها في موقف محرج أمام الشارع لو أحجمت عن الرد في حال قتلت إسرائيل مصريين بسيناء ولو عن طريق الخطأ.

وبالإضافة إلى أن الحلول الأمنية لم تجد نفعا في مواجهة تيارات العنف، فإن راشد يشير إلى أن الدولة المصرية ليست في وضع يسمح لها بفتح جبهات في الخارج حيث تعاني من ترهل الاقتصاد وانقسام المجتمع وتواجه نيران الجهاديين في شمال سيناء.

ورغم "عدم نجاعة القفز على مشاكل الداخل وتمديد أزمته نحو الخارج"، فإن الإعلام الرسمي بدأ توظيف عملية القصف سياسيا في اتجاه ضرورة الاصطفاف خلف النظام الحالي على أساس أنه يغزو الخارج ويدك حصون الإرهاب من أجل الثأر للمواطنين.

ويقول محمد عباس -وهو أحد شباب ثورة يناير- إن توجيه ضربة لليبيا عمل متسرع وتصرف خاطئ يضاف إلى دعم مصر لأحد الفرقاء السياسيين هناك دون مراعاة لمصالحها الإستراتيجية وسلامة رعاياها، وفق تقديره.

عباس الذي قلل من قيمة الضربات الجوية كونها أصابت مدنيين، يرى أن النظام لا يهدف للانتقام للأقباط بقدر ما يضع عينه على النفط في شرق ليبيا ويسعى لوقف تدفق السلاح إلى أراضيه عبر حدودها.

وإلى جانب النفط والتساوق مع الأهداف الغربية، يرى عباس أن النظام يسعى لتوظيف الضربة في خصومته مع معارضيه على حساب وضع 700 ألف مصري بليبيا في دائرة الخطر.

شندي توقع أن يستهدف تنظيم الدولة رعايا مصر ومصالحها بالخارج (الجزيرة نت)

صداع واستفزاز
أما رئيس تحرير مجلة المشهد مجدي شندي فيقول إن ليبيا تمثل صداعا لمصر منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي حيث أفرغت مخازن السلاح باتجاه حدود البلدين التي تزيد على 2000 كيلومتر.

ووفق شندي فإن توجيه الضربة لمعاقل الجهاديين في ليبيا تصرف طبيعي بعد أن استفز تنظيم الدولة الجيشَ والشعب المصرييْن من خلال إعدام الرهائن الأقباط وتنفيذ هجمات عديدة في سيناء وسعيه لإحراق البلاد.

لكن شندي لا يختلف عن بقية المراقبين في إدراك أن هذه الضربات التي "تستهدف مخازن الذخيرة والمعسكرات لن تضعف التنظيم لأنه يتخفى وسط المدنيين".

بالمقابل يتوقع شندي أن يستعدي القصف الجوي تنظيم الدولة ويدفعه للجنون وتنفيذ هجمات في سيناء وإلحاق الأذى برعايا مصر ومصالحها وبعثاتها الدبلوماسية في الخارج.

لكنه استبعد أن يتمكن التنظيم من تنفيذ تفجيرات في المدن المصرية لأن هناك "سيطرة أمنية كاملة" وجاهزية من الجيش لحماية الشعب والوطن، وفق تقديره.

وبالرغم من أن سيناء باتت حضنا دافئا للتيارات الجهادية فإن شندي يرى أنه من غير المطروح أن ينجح التنظيم في اختراق مصر لأنها "دولة مركزية منذ آلاف السنين".

وقد حاولت الجزيرة نت الحديث مع خبراء أمنيين وعسكريين مصريين لكنهم ردوا بأن التعاون مع شبكة الجزيرة يضعهم في دائرة الاستهداف من قبل النظام.

المصدر : الجزيرة