مع اختلاف التفاصيل والسياق فإن المرحلة التي انتخب فيها البابا تواضروس الثاني بطريركا للكرازة المرقسية لا تختلف كثيرا عن الفترة الطويلة لسلفه الراحل البابا شنودة، التي تشكل إرثا ضاغطا على البابا الجديد، وتتطلب رصدا دقيقا لحدود السياسي والديني للمنصب.

مجدي مصطفى

لم يرد في بال وجيه صبحي باقي سليمان أن يصبح في يوم من الأيام على رأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر، لكن الأقدار قادته إلى المنصب ليصبح البابا رقم 118 لتلك الكنيسة في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، وهو اليوم نفسه الذي ولد فيه بمدينة المنصورة في محافظة الدقهلية بدلتا مصر ولكن في عام 1952.

وهذا المنصب الديني -على عكس ما عليه حال منصب شيخ الأزهر أو وزير الأوقاف أو حتى المفتي بالنسبة للمسلمين- يظل مرتبطا بالشخص الذي تم اختياره حتى يموت ولا يمكن تغييره بقرار سياسي أو كنسي.

ووفقا لتقاليد الكنيسة المصرية فإن انتخاب البابا يكون عن طريق القانون الصادر عام 1957 والذي تم على أساسه انتخاب البابوين السابقين له كيرلس السادس في الفترة من 1959 وحتى 1971، وشنودة الثالث في الفترة من 1971 وحتى 2012، وتنص لائحته على أن يصوت على المرشحين للمنصب أعضاء المجمع المقدس المكون من الأساقفة في الداخل والمهجر، وكذا وجهاء الأقباط في كل مدينة تقع فيها مطرانية، ويقدر عدد من لهم حق التصويت على البابا حاليا بحوالي 2000 شخص.

ويتم اختيار أعلى ثلاثة من المرشحين حصولاً على الأصوات، وتجرى بينهم ما تعرف بـ"القرعة الهيكلية" حيث تكتب أسماؤهم في أوراق ثم توضع في صندوق صغير بغرفة مظلمة، ثم يقوم طفل بسحب ورقة واحدة من الصندوق، ومن يخرج اسمه في هذه الورقة يكون هو البابا.

وفي قداس أقيم لهذا الغرض يوم الأحد 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 تم ترسيم البابا الجديد بعد أن جاءت به القرعة.

وكحال سلفه في هذا الموقع الكنسي، أصبح له اسم جديد هو البابا تواضروس الثاني، وتم تجليسه على "الكرسي الرسولي" بابا للإسكندرية وبطريركا للكرازة المرقسية، أي كنيسة القديس مرقص الأرثوذكسية التي تضم المسيحيين الأرثوذكس الشرقيين خاصة في مصر وأفريقيا وبعض بلاد المهجر.

التكوين
وما بين ميلاده وحتى العامين اللذين مرا على توليه المنصب الكنسي، رحلة دراسة وتكوين تجمع بين الدنيوي والديني في شخصية الرجل الذي لم يكن قبل بابويته معروفا على نطاق واسع اللهم إلا في إطار مجتمع الكنيسة.

وبحكم طبيعة عمل والده مهندس المساحة، تنقلت الأسرة المكونة من الأبوين والابن وشقيقتيه لتعيش ما بين المنصورة (شرق الدلتا) وسوهاج بصعيد مصر ودمنهور (غرب الدلتا)، ومن هناك إلى الإسكندرية شمالا حيث التحق الابن وجيه بكلية الصيدلة بجامعة الإسكندرية وحصل على بكالوريوس الصيدلة عام 1975.

التحق بالكلية الإكليركية. وتخرج منها عام 1983، ليذهب بعد ثلاث سنوات من تخرجه فيها إلى دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون ثم ترهبن يوم 31 يوليو/تموز 1988 باسم الراهب ثيوؤدور، وبعد ذلك بعام تمت "رسامته" قسًا، لينتقل للخدمة بمحافظة البحيرة يوم 15 فبراير/شباط 1990، ثم نال درجة الأسقفية يوم 15 يونيو/حزيران 1997، وكان مسؤولا عن خدمه منطقة كنج مريوط والقطاع الصحراوي وخدم بها 15 عاماً إلى أن تم تجليسه على كرسي مارمرقس الإنجيلي.

ميراث كنسي
والملاحظ أن الخيار والتكوين الكهنوتي للرجل تشكل في ظل سلفه البابا شنودة الذي اعتلى عرش الكنيسة عام 1971 وظل يحكمها 41 عاماً، أحدث خلالها تغييرات قوية في البنيان الكنسي التقليدي، لعل أبرزها مقررات مجمع الآباء الكهنة والمجلس الملي وممثلي الشعب القبطي في المؤتمر المنعقد في البطريركية بتاريخ 17 يناير/كانون الثاني 1977.

وجاءت قرارات المجمع في صورة مطالب تتعلق بحرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية وعدم تطبيق الشرع الإسلامي وحماية الأسرة والزواج المسيحي، والمساواة وتكافؤ الفرص وتمثيل المسيحيين في الهيئات النيابية والوزارة والوظائف العليا وغيرها، والدعوة إلى ضرب الاتجاهات الدينية الإسلامية المتطرفة، وهي كلها مطالب تتهم النظام المصري في ذلك الوقت بالتمييز ضد الأقباط.

الطائفي والقومي
وتستدعي المواقف السياسية للبابا الجديد الوقوف على عينة من مواقف سلفه شنودة الذي اعتاد أن يمسك بكل خيوط الأمور، واستطاع أن يحقق كاريزما قبطية ويفرض نفسه على الشأن القبطي المصري داخل الكنيسة وخارجها.

وفي مقال نادر بجريدة الأهرام المصرية الحكومية نشر أواخر عام 2010، قال كاتبه إنه منذ اعتلاء البابا شنودة الثالث عرش الكنيسة المرقسية عام 1971 ظهرت على السطح مصطلحات مثل "الفتنة الطائفية"، واستشهد بخطاب ألقاه شنودة بالإسكندرية عام 1973 دعا فيه إلى "طرد" من أسماهم "الغزاة المسلمين من مصر".

كما تحدث عن وجود أسلحة وذخائر في الكنائس المصرية، متهما الكنيسة بالإعداد المسبق لأحداث العنف.

لكن الرجل عرف أيضا بمواقف قومية وطنية خصوصا مناصرته للقضية الفلسطينية، واتخاذه قرارا بحظر سفر الأقباط إلى القدس المحتلة إيمانا بأن ذهابهم إليها هو لون من ألوان التطبيع مع إسرائيل، التي لا تزال تحتل القدس.

أثارت تصريحات البابا شنودة بشأن تأييده تولي جمال مبارك الحكم خلفا لوالده حالة من الغضب عبرت عنها قوى سياسية ومسيحية, وسط تحذيرات من تنامي الدور السياسي للكنيسة واصطدام مواقفها بالاتجاه العام الرافض لتوريث الحكم.

ثم وجد البابا الراحل في أحداث ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 فرصة لمؤازرة الرئيس المخلوع حسني مبارك، وصرح للتلفزيون المصري الرسمي يوم 31 يناير/كانون الثاني 2011 "اتصلنا بالرئيس وقلنا له كلنا معك والشعب معك".

طبعة جديدة
هذا الميراث السياسي يأخذ طبعة جديدة في ظل الأوضاع المحلية الجديدة التي تعيشها مصر والمنطقة بعد ثورة 25 يناير، ثم الانقلاب على أول رئيس مصري منتخب. وتكشف عينة من التصريحات المعلنة للبابا الجديد أن الرجل ليس بمنأى عن التجاذبات السياسية، وإن كان لم ينغمس فيها بعدُ بنفس القدر الذي كان عليه سلفه، فالرجل يرى أن "أحداث ماسبيرو لا يمكن إنكارها بوصفها حادثا بشعا لا يقل عن فجاعة حادث التفجيرات التي وقعت عشية رأس السنة الميلادية 2011 أمام كنيسة القديسين بالإسكندرية".

وفي مقابلة تلفزيونية أبرزتها وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية، اعتبر تواضروس أن قرار ترشح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي بات واجباً وطنياً، وأن المصريين يرونه منقذاً وبطل ثورة 30 يونيو/حزيران 2013، ويمتلك صفة الضبط والربط المهمة جداً لنمو المجتمع المصري.

كما شن هجوماً على جماعة الإخوان المسلمين، واعتبر أنها "قدمت صورة مشوهة كان لابد من محوها سريعاً وأوصلت شعبنا كله بمسلميه ومسيحييه إلى إجماع على رفضه الرئيس المعزول محمد مرسي والتخلص منه".

واعتبر أن إدارة مرسي "لم تكن تليق بأي حال من الأحوال بمصر الحضارة والتاريخ رغم أنه كان يحكم باسم الدين".

وفي 23 ديسمبر/كانون الأول 2014 أعلن البابا تواضروس تأييده الإفراج عن حسني مبارك بعد قضائه أربعة أعوام في السجن "بسبب عمره وحسن ما فعله خلال فترة ولايته".

وبشأن التغييرات السياسية بعد 30 يونيو، قال إن "الكنيسة الأرثوذكسية اشتركت في اللجنة التأسيسية للدستور وفي صياغة مواده، وهددت بالانسحاب اعتراضا على بعض المواد، وعند تعديلها وافقنا، إذا نحن وافقنا على الدستور، فكيف نقول لا له".

تهنئة وعزاء
لكن الأمر غير المسبوق في عهد رأس الكنيسة الأرثوكسية المصرية الجديد هو قيام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بزيارتين إلى مقر الكاتدرائية المرقصية، الأولى في يناير/كانون الثاني 2015 للتهنئة بعيد الميلاد، والثانية يوم 16 فبراير/شباط 2015 للعزاء في الأقباط الذين قتلوا في ليبيا على يد جماعة ترتبط بتنظيم الدولة الإسلامية.

ويرى المراقبون في الزيارة الأولى محاولة للالتفاف على "انقلاب ناعم" يدبره رجل الأعمال القبطي نجيب سوارس من خلال "الاستثمار" في البرلمان المقبل وما له من صلاحيات بموجب الدستور في إقالة الحكومة ومحاسبة الرئيس.

أما الزيارة الثانية فكانت لـ"التخصيص بالعزاء" في مقتل المصريين الأقباط في ليبيا رغم ما رآه آخرون من أن المأتم مأتم مصر بمسلميها ومسيحييها بعيدا عن الحسابات السياسية.

المصدر : الجزيرة