عندما يكون الانتحار حلا تصبح المأساة أكبر، لكن حالة الطالبة السورية التي تعرضت للتعذيب في أقبية أجهزة الأمن السورية تنطوي على جوانب مؤلمة للمأساة، فقد تحملت كل صنوف التعذيب إلا الاغتصاب الذي لم تجد وسيلة لتطهير نفسها منه غير الانتحار.

عمر يوسف-حلب

لا تزال الأفرع الأمنية للنظام السوري تثير الرعب في قلوب السوريين، ولا تنتهي القصص المسربة حول البطش والتعذيب في تلك الأفرع، "فالداخل مفقود والخارج مولود"، ولا يتوقف الحديث عن الاعتقالات التعسفية وأعمال التعذيب الوحشية التي تستهدف كل من يحلم بالحرية والكرامة ممن تبقى في مناطق حلب الخاضعة للنظام.

وفي حلب، يتداخل مقر فرع الأمن العسكري مع منازل المدنيين في حي حلب الجديدة، ويمر المواطن الحلبي مسرعاً بالقرب من المبنى الأشبه بالقلعة، وهو يدير وجهه، فآخر شعور قد ينتابه هو الأمن عند الاقتراب منه.

"أم رياض" اسم حركي لناشطة شابة من حلب، بدأت قصتها مع اندلاع الاحتجاجات السلمية هناك ضد النظام السوري في ربيع عام 2011، وكانت أم رياض (25 عاماً) -طالبة في جامعة حلب- إحدى الناشطات في هذه التظاهرات السلمية.

يقول الناشط أبو أحمد الحلبي للجزيرة نت إن أم رياض كانت تقوم بنشر صور المظاهرات التي تصورها بهاتفها الجوال على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالثورة السورية، بعيداً عن أعين الأمن.

ساحة من إحدى كليات جامعة حلب حيث كانت تخرج المظاهرات الطلابية (الجزيرة)

دعم الثوار
وتمكنت أم رياض على مدى ثلاث سنوات من دعم الحراك الثوري في المدينة مع مجموعة من صديقاتها الطالبات بكل الوسائل المتاحة، إلى أن سقطت في يد قوات الأمن أثناء محاولتها التقاط صور لعناصر الحراسة في بوابة فرع حزب البعث داخل الحرم الجامعي.

وفي أقبية الأمن العسكري، قضت أم رياض عاماً كاملاً، تعرضت خلاله لصنوف التعذيب كالضرب بالكرباج والصعق بالكهرباء، بينما كان الأكثر وحشية هو تناوب عناصر الأمن في الفرع على اغتصابها.

ويقول الناشط أبو أحمد الحلبي "قبل ثلاثة أشهر خرجت أم رياض وهي حامل بطفل مجهول الأب، بعد أن أدرك الأمن أنه لا فائدة من بقائها لديه، لا سيما أنها أصبحت منهارة تماماً".

وبقيت قصة أم رياض سراً لا تبوح به لأحد رغم محاولات أصدقائها التحدث لوسائل الإعلام عن تجربتها المريرة داخل الأمن العسكري، لكن الصمت والخوف من الانتقام والفضيحة كان أشد تأثيرا عليها.

الانتحار مخرجا
ويقول الناشط أبو أحمد "خرجت أم رياض من المعتقل مكسورة حزينة، وفي حالة صدمة منعتها من الحديث لأحد، لا سيما أنها تنتمي لأسرة محافظة لا تخرج عن الأعراف والتقاليد السائدة، وحاولت أن تقوم بعملية إجهاض للطفل بمساعدة أهلها، لكن الأطباء الذين ذهبت إليهم رفضوا ذلك، لا سيما أن والدها لا يملك المال الكافي، فقررت أن تنهي حالة العذاب النفسي الذي تعيشه بإلقاء نفسها من الطابق الثالث، حيث توفيت على الفور".

بعد وفاة أم رياض، حضر الأمن إلى المكان لتسجيل حالة الوفاة والإشراف على دفنها سريعاً منعاً من إثارة القلاقل، حيث يؤكد الناشط أبو أحمد أن أهل الفتاة وُضعوا تحت المراقبة، في الوقت الذي تخوف فيه عناصر الأمن من أن تتحول جنازتها إلى مظاهرة تندد بما آلت إليه حال الناشطة الشابة.

دُفنت أم رياض وقبلها آخرون، ولا زال فرع الأمن العسكري يحصّن نفسه بالحواجز الإسمنتية والخنادق مع كل ناشط يسقط ضحية في أقبيته المظلمة.

المصدر : الجزيرة