يقرأ العديد من المراقبين للأحداث في اليمن إغلاق عدد من السفارات في العاصمة صنعاء بعد الإعلان الدستوري للحوثيين، على أنه عزلة دولية يفرضها المجتمع الدولي على الحوثيين بعد انقلابهم الصريح على السلطة الشرعية في البلاد، ومقدمة لإجراءات أكثر عقابية.

عبده عايش-صنعاء


أثار إغلاق السفارات الغربية والخليجية أبوابها في العاصمة اليمنية صنعاء وفرار البعثات الدبلوماسية مشاعر القلق والترقب في الشارع اليمني، بينما بدت جماعة أنصار الله (الحوثيين) في حالة عزلة دولية وإقليمية، حسب محللين سياسيين.

فقد اعتبر مراقبون أن إغلاق السفارات في صنعاء قد يكون مقدمة لفرض عقوبات اقتصادية ووقف المساعدات المالية عن اليمن، بينما تستعد دول الخليج لاتخاذ عدد من الإجراءات العقابية على انقلاب الحوثيين.

وكانت دول الخليج -وخصوصا المملكة العربية السعودية وهي الداعم الرئيسي للحكومة اليمنية- قد أوقفت مساعداتها لصنعاء، بعد سيطرة الحوثيين المسلحة على العاصمة ومؤسسات الدولة السيادية منذ 21 سبتمبر/أيلول الماضي.

واعتبر الحوثيون أن تعليق الولايات المتحدة ودول أخرى أعمال بعثاتها الدبلوماسية "غير مبرر"، بينما رأى بعضهم أنه "مؤامرة".

من جهتها انتقدت صحيفة "اليمن اليوم" التابعة للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح ما سمتها "الزفة الإعلامية" لإغلاق السفارات الغربية بصنعاء، وقالت في عددها الصادر السبت "إنه لم يستجد أي متغير أمني منذ 6 فبراير/شباط يبرر ذلك".

وبدت صحيفة صالح متماهية مع توجه الحوثيين الانقلابي بالسيطرة على الدولة بقوة السلاح، وقالت إن "ما حدث ويحدث من إغلاق للسفارات ليس ردود أفعال بقدر ما هو محاولة لإدارة المشهد اليمني بالأزمات، وأفعال تبحث عن رود فعل تفجر الأوضاع الداخلية، والسير بها إلى نقطة اللاعودة".

وانضمت تركيا والإمارات السبت إلى دول عربية وغربية علّقت تمثيلها الدبلوماسي وأغلقت سفاراتها في صنعاء. وكانت السعودية أعلنت الجمعة تعليق عمل سفارتها، وحذت حذوها ألمانيا -أكبر الداعمين الأوروبيين لليمن- التي أجلت موظفي سفارتها.

وكانت الولايات المتحدة أول دولة تغلق سفارتها وتسحب سفيرها ودبلوماسييها من صنعاء، وتبعتها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا وحتى اليابان، بينما أعلنت روسيا أن سفارتها باقية في صنعاء، بينما اتخذ مندوبها بمجلس الأمن الدولي الجمعة موقفا رافضا لإدانة انقلاب الحوثيين.

التميمي: رعاة التسوية السياسية رفعوا أيديهم عن النموذج اليمني الذي أشادوا به مطولا (الجزيرة نت)

انزلاق للحرب
واعتبر المحلل السياسي ياسين التميمي أن الخروج الجماعي للبعثات الدبلوماسية الدولية وفي مقدمتها البعثة الأميركية والسعودية، يقدم دليلا مباشرا على تبدل الحال في العاصمة اليمنية، حيث فقدت هذه البعثات ثقتها في المناخ الآمن لبقائها في صنعاء.

وقال التميمي في حديث للجزيرة نت إن "إغلاق السفارات يشير إلى أن رعاة التسوية السياسية رفعوا أيديهم عن النموذج اليمني الذي أشادوا به مطولا، وشرّعوا -بهذا الإجراء غير المتوقع- الأبواب لانزلاق اليمن إلى أتون حرب متوقعة قد تصنع نموذجا أسوأ من النموذج الليبي لا سمح الله".

وأضاف أن "بعض الدول الراعية للتسوية السياسية -ومنها أميركا وبريطانيا- انحازت إلى مصالحها الخاصة، واعتقدت أن بإمكانها أن تطلق المليشيا الحوثية على خصومهم التقليديين وعلى تنظيم القاعدة، وكانت النتيجة أن هذا التكتيك أوقع صنعاء في احتلال داخلي طائفي قوض كل فرصة لاستمرار العملية السلمية التي تمثل الضمانة الأساسية للانتقال إلى مرحلة الدولة المستقلة الضامنة لبيئة سياسية وأمنية لا تشكل تهديدا لأحد".

اللسواس: إغلاق السفارات احتجاج
على انفراد الحوثيين بالسلطة
 (الجزيرة نت)

رفض الانقلاب
في المقابل اعتبر الكاتب الصحفي حسين اللسواس أن إغلاق السفارات الغربية في صنعاء خطوة مناوئة من جانب الدول الغربية للانقلاب الحوثي، وتعبير احتجاجي ضد الاتجاه الحوثي للانفراد بالسلطة والنكوص عن الاتفاقات المبرمة مع القوى السياسية.

وقال اللسواس في حديث للجزيرة نت إن إغلاق السفارات بقدر ما يشكل رسالة إلى الحوثيين فإنه يتضمن أبعادا ذات صلة بواقع ما بعد إعلانهم الانقلابي، والمخاوف الدولية تتمثل في أن يشكل الوضع التقادمي الناتج عن هيمنة الحوثيين على الحكم خطرا على استتباب الأمن في اليمن ومنطقة الخليج.

ويعتقد أن إغلاق السفارات يشكل أداة ضغط كبيرة لتحقيق غايات ومرامي عدة: أولها الضغط على الحوثيين لتقديم تنازلات سياسية تفضي إلى تراجعهم عن تكريس واقع التفرد بالحكم، وثانيها معاضدة الجهود التي يبذلها الساسة للتوصل إلى مآلات توافقية تضع حدا نسبياً لنظرية الهيمنة الحوثية على إدارة شؤون الحكم والدولة، وثالثها تكريس واقع من الرفض الدولي لواقع ما بعد الإعلان الدستوري للحوثيين، ورابعها مساندة أي تحركات شعبية ذات طابع احتجاجي للعودة إلى واقع التوافق الوطني في إدارة البلاد.

المصدر : الجزيرة