لا يعرف أهل البصرة العراقية المدة الزمنية التي سيبقون فيها تحت وطأة أكوام القمامة المؤذية، ومناظرها التي تقشعر لها الأبدان. فالمدينة التي كان الشعراء يتغنون بجمالها قديما، صارت اليوم مكبا للنفايات.

عبد الله الرفاعي-البصرة

يقول الشاعر العراقي عبد الستار البصري "كان الشعراء البصريون محظوظين بمدينة كانت تعج بالجمال، وتنتشي بها الكلمات، ففي كل ركن منها ثمة مفازة للحب والجمال" لكن البصرة اليوم لم تعد بأي حال كما وصفها البصري، فغاب الجمال عنها وبدت مدينة قمامة.

البصرة التي شغلت الناس، وملأت بطون كتب التاريخ، ومثلت وجها مشرقا يعج بالزهو، هي المدينة الخضراء التي استحالت إلى أرض لا خضرة فيها.

وقال البصري "إن تحضّر المدن ورقيها يكون بنظافتها، لأن النظافة جزء مهم من انعكاس وجه أي مدينة، وما نراه في مدينتنا من تلال من قمامة وفيضان مجاري المياه العادمة وانتشار للحيوانات الضالة دليل واضح على أننا مهملون ولم نعرف عن الحضارة شيئا".

وتابع "إذا أردنا أن نعطي صورة جميلة لوعينا وثقافتنا وإدراكنا فعلينا العمل على كشف الفساد والفاسدين، ورفع القمامة من مدينتنا، ولنمعن النظر في صور البصرة في سنوات خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ونعمل كي تكون صورة الحاضر أجمل من الماضي".

ولم يقتنع عمال النظافة بالبصرة بما كان يردده المسؤولون الحكوميون كتبرير لتسريح أكثر من سبعة آلاف عامل أواخر عام 2014، وجاء في التبرير أن البصرة لا تمتلك أموالا لدفع مرتباتهم ما جعلهم ينتفضون في شوارع المدينة ويلقون بأكداس القمامة فيها ليزيدوا من الطين بلة.

البصري: تحضّر المدن ورقيها يكون بنظافتها (الجزيرة)

أطنان القمامة
واستيقظت البصرة ذات يوم على غيوم من الدخان المنبعث من الحرائق التي أشعلها عمال النظافة المطرودون من عملهم.

وقال أبو حسن، وهو أحد سكان منطقة صبخة العرب بمركز المدينة، إن آلاف الأطنان من القمامة تملأ الشوارع، وإن البلدية عاجزة عن رفعها الأمر الذي تسبب بكارثة بيئية وصحية.

وذكر الناشط جواد القطراني، وهو رئيس جمعية الفيحاء للتنمية والتطوير، للجزيرة نت، أن منظمات المجتمع المدني بالبصرة ناشدت الحكومة المحلية بشقيها التشريعي والتنفيذي، لكنها لم تتخذ إجراءات مناسبة للحد من ظاهرة التلوث البيئي بالمحافظة.

ويرى القطراني أن تسريح عمال البلدية ترك آثارا سلبية على واقع المدينة الخدمي، ويبدو ذلك واضحاً من خلال انتشار أكداس القمامة في جميع مناطق المحافظة، وهو ما يهدد صحة المواطنين بالخطر.

وأشار إلى أن البصريين يترقبون دخول شركات عالمية لتنظيف مدينتهم بعدما فشلت بلديتها في تأدية واجبها، ولم تستطع أن تقلل من نسبة التلوث الخطير.

ويرى الصحفي علاء الربيعي أنه بعد فشل شركة جيفرا التركية التي كانت تقوم بعمليات التنظيف بالمحافظة، فإنه لا يمكن أن تعمل أي شركة أخرى بسبب التعقيدات التي كانت تجابه عمل الشركة.

ويؤكد أن "المواطن تعود على إهمال بيئته وأنه يتحمل المسؤولية كما تتحملها الحكومة المحلية ودائرة البلدية، وأن الجهة التي تم التعاقد معها وهي الشركة الوطنية الكويتية للتنظيف لا تستطيع القيام بواجبها ما لم يتعاون معها الناس".

القمامة تملأ مدينة البصرة (الجزيرة)

وعي بيئي
وأشار إلى أنه -ومن خلال المتابعة الميدانية- تبين أن السكان المحليين بحاجة الى وعي بيئي وصحي قبل المجيء بشركات أجنبية للقيام بأعمال التنظيف.

وذكر سلام ناصر (موظف) أن "السياسة تدخلت في حياتنا اليومية بما فيها  قطاع الخدمات، فهناك من لا يرغب في تطوير المحافظة والحفاظ على بيئتها من أجل إفشال الجهة الأخرى".

وأشار إلى أن أعداد عمال النظافة لا تكفي لتغطية مناطق المدينة، وأن الخطر الذي يهدد الناس بات كبيرا.

ويرى ناصر أن الفساد بدائرة البلدية أوصل البصرة إلى الحال الذي هي عليه، وأن هناك أعدادا كبيرة من "الفضائيين" وهي الصفة التي يطلقها العراقيون على الموظفين الوهميين الموجودين على قوائم الرواتب الشهرية بينما هم ليسوا بالفعل على رأس أعمالهم.

المصدر : الجزيرة