تبدو حركة المارة وسط سيدي بوزيد -التي ذاع صيتها في أرجاء المعمورة بعد أن أطاحت ثورة انطلقت منها بنظام زين العابدين بن علي- باهتة بلا وهج ثوري رغم حلول موعد الاحتفال بذكرى الثورة التي انطلقت في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010.

خميس بن بريك-سيدي بوزيد
في مكان قريب من تمثال عربة محمد البوعزيزي الذي أشعل فتيل ثورة تونس من بلدته في سيدي بوزيد قبل خمسة أعوام، يجلس العم حسين فندولي إلى جانب عربته التي يبيع فيها الشاي رفقة أصدقاء يتجاذبون أطراف الحديث بكثير من الإحباط عن أوضاعهم المعيشية.

هناك، أصبح الطريق الرئيسي وسط سيدي بوزيد -حيث أحرق البوعزيزي نفسه غيظا أمام مقر المحافظة- فضاء مفتوحا لعربات الباعة المتجولين أمثاله الذين يئسوا من إيجاد وظيفة فلجؤوا لبيع الملابس أو السجائر أو الشاي على الطريق.

تبدو حركة المارة وسط تلك المدينة الفقيرة التي ذاع صيتها في أرجاء المعمورة بعد أن أطاحت الثورة التي انطلقت منها بنظام زين العابدين بن علي، باهتة دون وهج ثوري رغم حلول موعد الاحتفال بذكرى الثورة التي انطلقت في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010.

يقول العم حسين فندولي بشيء من الاكتئاب الذي يتقاسمه مع أهالي بلدته بسبب استمرار تردي الأوضاع، "لم يبق في سيدي بوزيد أي زخم ثوري ما عدا الشعارات التي بقيت منقوشة على الجدران تطالب بالشغل والكرامة وبعض صور البوعزيزي".

محاولا أن يقاطع أصوات أصدقائه التي تتعالى قليلا، يقول العم حسين "لقد أصبحت عجوزا ولم أحظ يوما بوظيفة لي أو لأولادي، مثلما ترى، أبيع الشاي على قارعة الطريق ولم أر من المسؤولين سوى الوعود الكاذبة. بالنسبة لي انتهت الثورة وضاع كل شيء".

العم حسين فندولي (يمين) مع صديقه الفلاح المتقاعد العايش عبدولي (وسط) (الجزيرة)

خيبة أمل
يسرع صديقه العايش عبدولي للتعبير عن سخطه من الحكومات المتعاقبة ومن الأحزاب السياسية التي "خيبت أملنا ولم تحقق أي شيء لأهالي سيدي بوزيد.. بعد مرور خمس سنوات على الثورة زادت حياتنا تعاسة".

ولا ينكر هذا الفلاح المتقاعد أن الثورة أتاحت للجميع حرية التعبير التي كانت جرما في السابق، لكنه يتساءل بتعجب "وماذا فعلنا بحرية التعبير؟ في سيدي بوزيد لا توجد مشاريع تشغل المعطلين عن العمل، لقد سئمنا من الشعارات ومن الوعود ومن المسؤولين".

حالة اليأس ذاتها عبّر عنها كذلك الشاب العاطل عن العمل جمال مسعودي (35 عاما)، وهو متزوج وأب لثلاثة أطفال، إذ يقول بابتسامة رجل مقهور إنه سئم من طرق أبواب المسؤولين دون أن تحظى مطالبه بأي موافقة لتوظيفه أو منحه قرضا حتى "يبني حياته".

وقد تحصل هذا الشاب -الذي شارك في أحداث الثورة في بلدته- على دبلوم في النجارة، لكن رغم مساعيه المتكررة في البحث عن شغل في اختصاصه، لم ينجح في الظفر بما يسد الرمق وما يساعده على قوت عائلته، حتى أنه أصبح يفكر في الانتحار كما يقول.

ويضيف جمال بمرارة "لقد يئست من طرق أبواب المسؤولين لأن جميعهم يخادعوننا ولا يهتمون لمطالبنا، بعد الثورة لم يتغير أي شيء بل زادت الأوضاع سوءا".

ولم يتسن للجزيرة نت الحديث مع محافظ سيدي بوزيد لاستفساره عما تغير في المدينة التي تشكو من غياب التنمية وارتفاع معدل البطالة، لكن مسؤولا ساميا في المحافظة قال إن السلطة شرعت في إصلاح البنية التحتية للمدينة لتشجيع المستثمرين على بعث مشاريعهم هناك.

جمال مسعودي (يسار) قال إنه سئم طرق أبواب المسؤولين بحثا عن عمل (الجزيرة)

إنشاء مصانع
وبشأن المشاريع التي أنشئت بعد الثورة، قال إنه تم إنشاء مصنع لصناعة الحليب يشغل ثلاثمئة شخص، بينما تستعد المنطقة لبناء مصنع للإسمنت ومصنع لصناعة الفوسفات، وهي مشاريع في طور الدراسة.

من جهته، أقر مدير مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية رضا الشكندولي بأن هناك شعورا سائدا بخيبة الأمل في المناطق الفقيرة التي تفاقمت فيها البطالة والتهميش بعد الثورة بسبب غياب التنمية.

ويقول للجزيرة نت إن الاقتصاد التونسي أصبح بعد الثورة يعيش حالة ركود بسبب التجاذبات السياسية والانقسامات الحزبية والهجمات الإرهابية التي أضرت بمناخ الأعمال وأثرت سلبا على أداء السياحة والاستثمار.

واعتبر أن العقدة لا تكمن في مشاريع البنى التحتية والإصلاحات الاقتصادية التي أخذت الدولة في إنجازها، وإنما في توفير عوامل غير اقتصادية من شأنها أن توفر الأمن وتعيد الاستقرار وتسترجع ثقة المستثمرين.

المصدر : الجزيرة