لم تستثن طائرات النظام الحربية أي تجمع ممكن للمدنيين إلا قصفته، بما فيها الأسواق والصفوف أمام المخابز والمستشفيات والمؤسسات الطبية والمدارس ودور العبادة ومحطات النقل، والمباني السكنية، مما أسفر عن أعداد مضاعفة من الضحايا المدنيين.

بعدد قتلاهم الذي تجاوز188 ألفا، دفع المدنيون السوريون على مدى سنوات الثورة فاتورة الدم الأكبر، وشكلوا جرحها النازف، وكانوا على الدوام الهدف الأسهل لطائرات النظام الحربية وبراميله المتفجرة، في ظل تفاعل شعبي دولي خجول، وغياب شبه كامل من قبل الأطراف الرسمية.

ووفق إحصائية نشرتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فإن عدد القتلى المدنيين بسوريا منذ بداية الثورة في مارس/آذار 2011 بلغ نحو 188 ألفا من غير المفقودين.

وتنبه الإحصائية إلى أن النظام السوري مسؤول عن 96 بالمائة من عدد الضحايا المدنيين، حيث تسببت غاراته وقصف قواته بمقتل أكثر من 180 ألف مدني بينهم 18 ألف طفل.

ولم تستثن طائرات النظام الحربية أي تجمع ممكن للمدنيين إلا قصفته، بما فيها الأسواق والصفوف أمام المخابز والمستشفيات والمؤسسات الطبية والمدارس ودور العبادة ومحطات النقل والمباني السكنية، مما أسفر عن أعداد مضاعفة من الضحايا المدنيين.

ومما يفاقم معاناة السكان ما أشار إليه تقرير لمجلة نيوزويك الأميركية، قالت فيه إن طيران النظام السوري يستهدف المستشفيات والأطباء بشكل متعمد في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة.

ونسبت نيوزويك إلى تقرير صادر عن منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان -ومقرها نيويورك- القول إن أغلب الأطباء في سوريا إما أنهم لاقوا حتفهم بالقصف، أو أنهم فروا إلى خارج البلاد تجنبا لمخاطر الحرب.

تجاهل دولي
ومن المفارقات التي تتجلى بوضوح، ما أشار إليه تقرير صادر مطلع ديسمبر/كانون الأول عن مركز "وقف إطلاق النار" المعني بالحقوق المدنية -ومقره بريطانيا- من أن التحالف الدولي لا يكترث بالعدد المتزايد للضحايا المدنيين جراء القصف الذي يشنه على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، كما أنه لا يعترف بوقوع ضحايا مدنيين جراء غاراته.

وأشار التقرير إلى مقتل آلاف المدنيين في عمليات قصف مواقع التنظيم، كما سلط الضوء على الدمار الكبير والخوف المتواصل الذي يعيشه سكان مدينتي الرقة وحلب وغيرهما من مدن الشمال السوري التي يمطرها طيران النظام بالبراميل المتفجرة.

ورغم الإدانات الدولية المتتالية لاستخدام النظام براميله المتفجرة ضد المدنيين، حيث ندد مجلس الأمن الدولي مرارا باستخدام هذا السلاح الذي فتك بآلاف السوريين، وبحث استصدار قرار بشأنه، فإن التحرك الدولي لا يزال يفتقد إلى آليات جدية لوقف تعمد قتل المدنيين.

وانتقدت منظمات حقوقية غير حكومية عدم قدرة المجتمع الدولي على التحرك لحماية المدنيين في سوريا، وقالت إن دول العالم تتحمل جزءا من المسؤولية بسقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين بسوريا.

وقالت المنظمات في تقرير سابق، ووقعت عليه منظمات دولية من بينها "أوكسفام" و"لجنة الإغاثة الدولية" ومنظمة "سيف ذي تشلدرن" إن الآمال التي حملتها القرارات الدولية لحماية المدنيين ذهبت أدراج الرياح، نتيجة تجاهلها أو تخريبها من قبل أطراف النزاع، ودول أخرى أعضاء في الأمم المتحدة وحتى أعضاء في مجلس الأمن الدولي".

البراميل المتفجرة التي تلقيها طائرات النظام تستهدف تجمعات المدنيين (الجزيرة)

تعامل بائس
من جهته، وصف تقرير للمدير التنفيذي لمنظمة "هيومان رايتس ووتش" كينيث روث تعاطي المجتمع الدولي مع الأزمة السورية "بالبائس"، وقال إن المجتمع الدولي اكتفى بالرد على هذه الحالة البائسة بالقول "سوف نقيم السلام، ثم تصبح الأمور بعد ذلك على خير ما يرام"، وتابع "أن الشعب السوري ما يزال يدفع ثمنا باهظا بسبب عدم كفاية الرد الدولي طوال ما يقرب من خمسة أعوام".

ورأى أن الحقيقة التي تبعث على الاكتئاب تكمن في أن فرص التوصل إلى اتفاق سلام في المستقبل القريب أمر مستبعد، وأن المحادثات التي تجري لحل الأزمة السورية لا ترتكز على النقطة المركزية الأهم التي حددها المجتمع الدولي وهي "حماية المدنيين".

وقال إن ما يجعل هذه الحرب مهلكة أن كثيرا من الأطراف المشاركة فيها تنهج إستراتيجية حربية تتركز على تجاهل معاهدات جنيف والاستخفاف بها.

المصدر : الجزيرة