بالرغم من تشاؤم الباحث أليكس باستيان، فهو يرى أن قمة المناخ ستتمخض عن اتفاق لن يسمح بارتفاع حرارة الأرض بأقل من درجتين، وأنها ستحدد مصادر لتمويل الانتقال الطاقوي، لكنه يرى أن هذا التمويل سيبقى قاصرا ومحدود الأجل.

يبدو الباحث الفرنسي في قضايا الطاقة وتغير المناخ وتأثيراتها الجيوسياسية أليكس باستيان متشائما بشأن قمة المناخ في باريس، وذلك بسبب تضارب مصالح الدول وأنماطها الاقتصادية والاستهلاكية، كما يرى أن هناك نقصا كبيرا في تمويل برامج حماية البيئة.

وينتسب باستيان لمعهد الأبحاث الدولية والإستراتيجية في فرنسا الذي يعد أحد أهم 26 معهدا بحثيا في العالم، وفق التصنيف السنوي الذي تنشره جامعة بنسلفانيا الأميركية، وقد التقت به الجزيرة نت على هامش قمة المناخ للاطلاع على موقفه وتنبؤاته. 

حاوره: سعيد نمسي-باريس

 تبدو متشائما بشأن قمة المناخ الـ21 الجارية بباريس هذه الأيام، فهل ترى أنها فاشلة مسبقاً؟
تعد القمة مكان تفاوض دولي بين 195 دولة و196 طرفا، ومن المعروف أن مصالحها ضخمة ومختلفة. وقد جرى التذكير بذلك منذ بداية القمة، إذ قال رئيس وزراء الهند نارندرا مودي "إذا كنتم تعتقدون بأن الهند ستتخلى عن إنتاج الكهرباء بواسطة الفحم، فأنتم مخطئون، نحن بحاجة لذلك كي نخرج حوالي ثلاثمئة مليون هندي من الفقر.، كما قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري إن الاتفاق النهائي لن يكون ملزِما وإلا فإن مجلس الشيوخ سيرفضه. وأمام مثل هذه التصريحات، ندرك أن القمة تواجه عوائق، وما ينتظره الناس من هذه القمة هو ما يُنتظَر عادة من مفاوضات بمثل هذا العدد من البلدان مع اختلاف مصالحها وأنماط تنميتها واستهلاكها.

ولكن المؤكد أن الاتفاق الذي سينبثق عن القمة لن يسمح بارتفاع حرارة الأرض بأقل من درجتين، ومع ذلك سيتوفر العالم على وثيقة موقعة من 195 دولة تبتغي التوصل إلى تقليص بث الغازات، كما نتوقع التوصل لاتفاق واضح بخصوص تمويل الانتقال الطاقوي وما الذي يمكن للدول المتطورة تقديمه للتعجيل بهذا الانتقال.

 من ضمن أهداف القمة تطوير الانتقال الطاقوي من الطاقات التقليدية إلى البديلة والمتجددة، فهل النووي مدرج ضمن هذا الانتقال؟
تدعو لجنة خبراء البيئة التابعة للأمم المتحدة في تقريرها إلى استعمال الطاقة النووية. وهذا لا يعني أن هذه الطاقة ستحل كل المشاكل، ولكن في الوقت الحاضر يمكن القول إن ذلك يشكل حلا محتملا لتلبية الطلب على الكهرباء بالبلدان السائرة في طريق النمو. أنا لا أقول إنه الدواء الناجع لكل المشاكل، لكن التحول الطاقوي يختلف من بلد إلى آخر. ففي الهند، سيُعتَمد هذا الانتقال على الكثير من الفحم وعلى النووي والطاقة الشمسية. وكل البلدان ستحتاج إلى مزيج من الطاقات. أما البلدان التي استطاعت الحصول على موارد من السدود المقامة على الأنهار فهي صغيرة مثل النرويج، الذي ينتج 95% من طاقته الكهربائية من السدود، لأنه بلد يحتوي أنهارا هامة ويسكنه سبعة ملايين نسمة فقط، لكن الأمر مختلف مع الهند بسكانها الذين تجاوزوا المليار نسمة.

 البعض يرى أن وضع عقوبات مالية ضد التلويث، مثل تحديد مبلغ خمسين دولارا للطن الواحد من الكربون، هو نظام يهدد بإفقار الدول الفقيرة، فما تعليقك؟
فعلاً، سعر الكربون منخفض بشكل كبير، وإذا تم رفعه إلى حد يثير ردود فعل فستضرر الكثير من البلدان السائرة في طريق النمو، لأنها تلجأ إلى استعمال طاقات باثة للكربون مثل الفحم. ويجب إجراء مفاوضات لتوزيع حصص بث الكربون، مع أن نظام كهذا سيضر البلدان التي تستعمل الفحم لإنتاج الكهرباء، خلافاً لبلد مثل الدانمارك الذي يراهن على إنتاج الطاقة من الرياح، ويمكن التخفيف من الأعباء المالية بتحويل التكنولوجيا وبمساعدات مالية من بلدان الشمال.

 في إحدى دراساتكم، قلتم إن جغرافية مناطق البث ليست هي نفس جغرافية مناطق التأثر. هل يمكن أن توضحوا هذا الأمر؟
يمكن القول إنه ليست هناك حدود أمام الغازات المبثوثة، فلا أحد يستطيع أن يحدد ما إذا كان الإعصار الذي يمر على الفلبين أو فيتنام نشأ عن الغازات المبثوثة في الصين أو بريطانيا، إذن بث الغازات يمس مجمل البلدان. وللأسف، فإن البلدان الباثَّة لا تتأثر بنفس القدر الذي تتأثر به البلدان المعنية أكثر من غيرها بالتغير المناخي.

المشاركون بإحدى ندوات قمة المناخ (رويترز)

 ضمن الصراعات الدائرة في مجال البيئة، كيف ترون موقف البلدان المنتجة للنفط؟
هذه البلدان كانت آخر البلدان من أودع مساهماته المكتوبة المتضمنة أهدافه في مجال الحد من التلوث. وهي الأكثر بثا للكربون مقارنة بعدد سكانها، وهي مترددة أمام تسيير مناخي وظيفي، وتشترط مقابلا ماليا للكف عن بث الغازات. وأنتم تتصورون المشقة التي تبذل من أجل مساعدة بلدان لا تتوفر على موارد مالية مثل البلدان الجزرية الصغيرة أو البلدان الأفريقية.

 هل يهدد التغير المناخي تغذية الناس؟
الزراعة هي النشاط الاقتصادي الذي يعتمد أكثر من غيره على المناخ، فبدون الشمس لا يمكن الزراعة، وهو النشاط الذي يضمن بقدر كبير غذاء العالم. والمؤكد أن الأمن الغذائي سيشهد توترات بفعل التغير المناخي، والبلدان ذات الحاجات الكبيرة للغذاء ستلجأ إلى امتلاك أراض زراعية واسعة، فالصين ستعمد إلى شراء الحبوب في الأسواق العالمية وإلى اكتساب الأراضي تحسبا لتراجع مردود الفلاحة، وهذا ما قامت به عدة دول، ما يفسر جزئيا أحداث الشغب التي جرت عام  2008 لأن الصين اشترت كميات ضخمة من الحبوب. وقد عرفت عدة بلدان أفريقية، مثل إثيوبيا والسنغال، احتجاجات ضد شركات ودول أجنبية تملك الأراضي الزراعية.

 وماذا عن الهندسة المناخية التي يجري الحديث عن استعمالها مستقبلاً، وهل هي حل ناجع؟
تهدف الـ"جيو أنجينييري" أو الهندسة المناخية إلى تقديم حلول للمشاكل المناخية المتأتية من ارتفاع حرارة الجو، وذلك باستعمال حلول تقنية للحفاظ على نوع من الرفاهية. ولكننا غير متأكدين من نجاعة الحلول التي يتم اللجوء إليها أو من عدم احتوائها على مخاطر إذا ما جرى استعمالها بشكل جماعي. وهي أيضا ليست الحل السحري الذي يجعلنا نستمر في بث الغازات الملوثة، إذ نعتقد أنه يمكننا الاستمرار في التلويث طالما أن تلك التقنيات قادرة على التقاط ثاني أوكسيد الكربون أو باستعمال تقنيات أخرى مثل رش رذاذ واقٍ من أشعة الشمس يقلص من تعرض الأرض للأشعة الشمسية.

لكن كيف نعرف الآثار المترتبة على وضع طبقة من الغيوم الواقية من أشعة الشمس على المدى الطويل، وما تأثير ذلك على الزراعة وعلى التمثيل اليخضوري للنباتات؟ والخطر الكبير يكمن في تطوير استعمال هذه التقنيات قبل أن ندرك بعد سنوات أن لها مضاعفات أخرى مثلما هو الحال مع الأدوية. واليوم نحن عاجزون عن كبح الحرارة، وإذا ما أضفنا هذا العائق الجديد فإن الأمر سيمثل تهديدا أكبر لنا. والخطورة تكمن أيضا في اعتقادنا بأنه طالما هذه الحلول موجودة فإننا سنعفى من تغيير نمط استهلاكنا الحالي.

 في الختام، لو طُلِب منكم تقديم وصية وحيدة لأعضاء القمة، ما هي؟
سأقول لهم حظا سعيدا، وأضيف أنه ليس ثمة حل سحري، وإنما أرجو منكم أن تعملوا قدر المستطاع لتفادي الأنانية الوطنية والتفكير جماعيا في مستقبل الكرة الأرضية والأجيال القادمة.

المصدر : الجزيرة