بعد أن كانت الشوارع الفسيحة والعمران من المعالم التي تميز بغداد صارت الكتل الإسمنتية التي تقطع أوصال المدينة هي الوجه الجديد لبغداد، وبينما تتذرع الحكومة باستتباب الأمن لإزالتها يرى خبراء أن انتفاع البعض من هذه التجارة قد يعرقل إزالتها.

مروان الجبوري-بغداد

ربما يتفاجأ من يزور للمرة الأولى بغداد التي كانت معروفة بعمرانها وسعة شوارعها أن يجدها قد تحولت إلى غابة كبيرة من كتل إسمنتية تحيط بمناطقها السكنية وتسد معظم شوارعها الفرعية فتحجب معالمها وتشوهها وتخنق ساكنيها.

تعود القصة إلى بدايات عام 2007 حينما أعلنت الحكومة العراقية آنذاك عن الشروع بتطبيق خطة فرض القانون التي أسهمت إلى حد كبير في خلق حالة من الأمن والاستقرار النسبيين في معظم مناطق العاصمة، وقد أعلن حينها أن تقطيع المناطق وإحاطتها بكتل إسمنتية أو (صبّات) -كما تعرف محليا- إجراء مؤقت سيزول بزوال الاحتقان الطائفي، لكن السنوات مرت تباعا من دون أن تقوم السلطات برفع هذه الكتل أو إزالتها إلا على نطاق ضيق.

وزارة الداخلية العراقية تقول إن هذا الإجراء ضروري للسيطرة على أي خرق أمني محتمل، وهو يسهم في حماية أحياء العاصمة من عمليات قتل طائفية قد تقوم بها جهات إرهابية، مؤكدة أن قرار رفعها أو بقائها في الشوارع خاضع لاعتبارات أمنية تقررها قيادة عمليات بغداد، وهي الجهة المكلفة بفرض الأمن على الأرض، وهي لم تقرر حتى الآن متى يكون رفعها.

تحولت بعض هذه الكتل إلى مكبات ومحارق للنفايات (الجزيرة نت)

أضرار تجارية
ولعل أكثر المتضررين من هذه الإجراءات هم المواطنون البسطاء الذين تقطعت أوصال مناطقهم وحيل بينهم وبين التنقل داخلها أو الانتقال إلى خارجها إلا عبر منفذ للدخول وآخر للخروج، فيما تسد جميع الشوارع والطرق الفرعية الأخرى أمام حركة السيارات، مما يجعل قطع مسافة قصيرة قد يستغرق ساعة أو ساعتين وربما أكثر.

أما الأسواق التجارية فيشتكي أصحاب المحلات فيها من عرقلة دخول المتبضعين إليها بسبب أن بعضهم يضطرون لركن سياراتهم في مواقف سيارات بعيدة، وربما لا يجدون مكانا فيها فينصرفون عنها إلى أسواق أخرى.

عضو مجلس محافظة بغداد علي الهيجل قال إن القوات الأمنية تتخوف من أن تستغل "المجموعات الإرهابية" رفع هذه الكتل، لذا "فإن من المصلحة بقاءها حتى يستتب الأمن تماما".

وأوضح أن هذه الكتل وضعت في زمن الأميركيين حين تعاقدت قوات الاحتلال مع شركات ومقاولين ومتعهدين، بعضهم عراقيون والبعض الآخر أجانب، حيث كانت هناك مخصصات في الميزانية آنذاك لشرائها.

ووفقا للهيجل، فإن الخطة الأمنية الأخيرة ساهمت في رفع الكثير من نقاط التفتيش والحواجز، مؤكدا أن الكتل ستزول بزوال الحاجة إليها.

هذه الكتل تخفي معالم مدينة بغداد وتفصل أحياءها عن بعضها البعض (الجزيرة نت)

شركات مستفيدة
لكن للموضوع بعد اقتصادي قد لا يكون ظاهرا للعيان، حيث تتحدث بعض المصادر عن صفقات أجريت وتُجرى مع شركات مصنعة لهذه الحواجز عبر وسطاء يحظون بنسب أرباح عالية.

فبفعل انتشارها بشكل واسع ارتفعت أسعار الإسمنت في الأسواق العراقية بشكل واضح، حيث أصبح سعر الطن الواحد بحدود 130 ألف دينار عراقي (نحو 107 دولارات) في حين كان قبل عدة سنوات لا يزيد على خمسين ألف دينار (ما يقارب أربعين دولارا).

الخبير الاقتصادي باسم أنطوان قال -في حديث للجزيرة نت- إن الشركات التي تتعاقد معها الحكومة لتصنيع هذه الكتل هي في الأغلب عراقية من القطاع الخاص، بعضها في بغداد والآخر في إقليم كردستان العراق.

وأشار إلى أن التوسع في استخدام هذه الحواجز بالإضافة إلى عوامل أخرى قد حول العراق إلى مستورد للإسمنت بعد أن كان يعيش اكتفاء ذاتيا بما ينتجه 22 مصنعا موزعة في مختلف أنحاء البلاد.

وأكد أنطون أن الاعتماد على هذه الطريقة في حفظ الأمن والاستقرار يكلف الدولة مبالغ طائلة من دون جدوى كبيرة، ويعطل مصالح الناس ويؤخر الإنتاج، بالإضافة إلى ما تسببه طوابير السيارات الواقفة في الازدحامات من تلوث وضوضاء.

واعتبر الخبير الاقتصادي أن على الحكومة تطبيق التعرفة الجمركية للتقليل من استيراد الإسمنت والاكتفاء بما تنتجه المصانع المحلية، ولا سيما أن البلاد على حافة أزمة مالية خانقة. 

المصدر : الجزيرة