ساعد على انتشار الإشاعات بعد إبرام اتفاق الهدنة الأخير بحي الوعر في مدينة حمص ضعف واضح في إعلام الثورة، وشبه تغييب للبنود الحقيقية للهدنة، فقد تناقلها أفراد بروايات متعددة، مما أفسح مجالا واسعا للجدل والزعزعة والأخذ والرد بين الناس.

إيمان محمد-حمص

يعيش سكان حي الوعر المحاصر في مدينة حمص وسط سوريا على وقع سلاح أشد فتكا من الأسلحة الميدانية، وبدأت تخترق قلوبهم وتستوطن عقولهم، فقد استغل النظام السوري الهدنة التي أبرمت مؤخرا مع ثوار الوعر لاستعمال "سلاح الإشاعات" لكسر النفوس في الحي الثوري الأوحد المتبقي في مدينة سميت يوما ما بـ"عاصمة الثورة".

في قلب حي الوعر الحمصي تتجسد قاعدة شهيرة في علم النفس "إن الناس مستعدون لتصديق الكذب، مهما بدا زيفه، إذا صادف هواهم، وتكذيب الصدق مهما بلغ وضوحه، إذا خالف هواهم". 

ومن هنا يُطرح تساؤل عما إذا كان توقف القتال بين الأطراف المتنازعة وسكوت هدير الطائرات وأزيز الرصاص وقذائف الدبابات يعني انتهاء المعركة؟ فمع إبرام اتفاق الهدنة الأخير لخروج بعض الثوار والجرحى من الحي المحاصر بدأ سلاح الإشاعات يتسلل إلى اللاوعي، فيتحول تدريجيا إلى أفكار، تنصهر لاحقا في أفعال سلبية.

وساعد على انتشار ذلك ضعف واضح في إعلام الثورة، وشبه تغييب للبنود الحقيقية للهدنة، فقد تناقلها أفراد بروايات متعددة، مما أفسح مجالاً واسعاً للجدل والزعزعة والأخذ والرد بين الشريحة العظمى من الناس.

وعلى عكس ما يُعتقد أن من يروج الإشاعات أشخاص من العامة ليس لهم مكانة اجتماعية أو منصب، استخدم في حي الوعر رموز وأصحاب مناصب لترويج الإشاعات وكسر النفوس، ونال دور البطولة في هذا محافظ حمص طلال البرازي الذي صرّح لإعلام النظام بخروج كامل الثوار من الحي حسب بنود الهدنة، على حد زعمه.

ومن المعلوم أن تطبيق البند الأول من الهدنة بدأ بخروج عدد من الثوار -بينهم الجرحى- ويشمل ذلك ثلاثين حالة شلل تام، وسبع حالات بتر -بينهم نساء- إضافة إلى حالات أخرى حرجة، كما كان بين المغادرين فئة المعطلين الرافضين لمبدأ الهدنة، أو حملة فكر تنظيم الدولة الإسلامية، وبعض الأسر التي أنهكها الحصار.

خروج مقاتلين من المعارضة من حي الوعر أثار صورة إجلائهم من حمص القديمة (ناشطون)

ذاكرة تتجسد
وهنا استغل النظام فرصة الهدنة، فأدخل الحافلات ذات اللون الأخضر إلى داخل الحي، ليراها الناس، ويستعيدوا معها ذاكرة الألم التي ارتبطت سلبياً داخل "العقل الحمصي" بخروج ثوار حمص القديمة وإخلائها بشكل نهائي، مما جعل ذات الصورة تنطبع في العقول، وتتجسد حيّة، لتنهش الظنون الواقع، فتترجمه تلك العقول بأنه قالب واحد لكل الأحداث، ومصير واحد لكل السيناريوهات المطروحة، يتمثل بالخروج النهائي.

وبالعودة إلى الهدنة، فهي لم تحمل بند خروج الثوار وإخلاء الحي بشكل مطلق ضمن ما اتفق عليه، لكنها تتضمن في آخر مراحلها خروج من يرغب، لذا فإن النظام يراهن على سكان الحي والنازحين إليه من أهالي حمص في كسر بعضهم بعضا بعد أن يدخل الوهن والانكسار إلى أعماقهم بحرب الإشاعات تلك.

ويقف سكان الوعر وسط معادلة صعبة؛ فإن خرج الناس انكسر الثوار، وإن خرج الثوار تعرض الأهالي لخطر المجازر أو الاعتقال، وإن خرجوا جميعاً انتهت رحلة الثورة في المدينة، وبالتالي يسهل على النظام تطبيق خطته بعد أن يختل الميزان في الحي دون جهد، ويسهل احتلالها طواعية، ويعود من جديد البطش بالحديد والنار.

 

سكان حي الوعر صامدون رغم الحصار الطويل (ناشطون)

نظرة منصفة
وفي نظرة منصفة إلى حي الوعر بعيدا عن حرب الإشاعات، يتراءى حي يأبى إلا أن يكون ثورياً، وأن يكون صوت الثورة فيه مسموعاً وواضحاً، وفيه أحلام كبيرة لشباب يطمحون إلى حياة الكرامة، ومشاريع تنهض بالإنسان تتجند لأجلها العقول وتعمل ليل نهار، وسياستها ألا تركع وألا تذل.

في الحي مجتمع مصغّر، كأي مجتمع له محاسن ومساوئ ونقاط ضعف وقوة، وثغرات وركائز ثبات. لكن في الحي كذلك أطفالا ولدوا في الثورة وتنفسوها وعاشوها ولن يقبلوا بسواها، كما أن فيه شبابا عقلوا معنى الحرية إلى درجة يرفضون الذل، وعاشت في الحي أسر عشقت الثبات ورسمت خطى حلم مستقبل حر لأبناء وبنات يرفضون الركوع وإرادة حياة كريمة تجابه الموت والفناء، وصورة حافلات صُنعت لتزج بسكان حي الوعر في المحرقة.

لكن الثوار وسكان الحي يأبون الاستسلام بأفكار تجابه خطط النظام ليبقوا "شوكة في حلق النظام، لأن الحق يُرهِب من يعاكسه".

المصدر : الجزيرة