أمين الفراتي-إدلب

"شاحبة كالأم الثكلى"، هكذا وصف أحد أبناء إدلب السورية مدينته بعد يوم من المجزرة التي ارتكبها الطيران الروسي، حيث قُتل وأُصيب العشرات من المدنيين بينهم أطفال ونساء، ولا تزال هناك عشرات الجثث تحت أنقاض مبان سوّتها الصواريخ الفراغية الشديدة الانفجار بالأرض.

وكان الطيران الروسي قتل يوم الأحد 17 مدنيا من عائلة واحدة جلهم من النساء والأطفال، بقصف استهدف أحد المنازل في مدينة جسر الشغور قبل يوم واحد من مجزرة مدينة إدلب، في مشهد دموي بات شبه يومي اعتادت عليه وسائل الإعلام في ثاني محافظة سورية تخرج عن سيطرة قوات النظام بعد الرقة.

تأتي محافظة إدلب (شمال غرب البلاد) في مقدمة المحافظات السورية التي دفعت الثمن المؤلم نتيجة انخراطها المبكر في الثورة ضد نظام الرئيس بشار الأسد.

ورغم عدم وجود إحصائيات دقيقة تلخّص ما جرى في المحافظة خلال سنوات الثورة، فإن الحقوقي رامي النعمان -وهو عضو رابطة المحامين السوريين الأحرار- يجزم أن هناك آلاف القتلى والمصابين من سكان المحافظة بنيران قوات النظام، مشيرا إلى مقتل 235 مدنيا خلال الشهر الفائت وحده، بينهم 109 بقصف الطيران الروسي.

وأوضح  النعمان في حديث مع الجزيرة نت أن نحو تسعمئة ألف من سكان المحافظة البالغ عددهم نحو 1.5 مليون، هُجِّروا من ديارهم من قبل قوات النظام، وهم اليوم إما نازحون في مخيمات داخل سوريا وعلى الشريط الحدودي، أو لاجئون في تركيا، وهناك من عبر البحر المتوسط إلى بلدان أوروبية، لافتا إلى أن المحافظة احتضنت في المقابل آلاف النازحين من عدة مناطق سورية، وخاصة من ريف حماة الشمالي.

إحصائية أعداد القتلى في إدلب خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني (الجزيرة)

وعن أوضاع المحافظة اليوم، يقول النعمان إنها منكوبة وشبه مدمرة، مضيفا "لكن لم تتوقف الحياة فيها، حيث بدأت حركة تجارية نشطة بعد سيطرة المعارضة المسلحة على مدينة إدلب في الربيع الفائت"، لافتا إلى أن حركة الإعمار مستمرة في كل مدنها وقراها، رغم القصف المتواصل من الطيران.

من جانبه، يرى الصحفي عماد كركص من أهالي إدلب أن النظام بدأ تطبيق سياسة انتقامية ممنهجة من أهالي المحافظة، ذلك لأنها كانت المهد الأول للجيش السوري الحر في الشهور الأولى من الثورة، مشيرا إلى أن أول ضابط انشق عن جيش النظام -وهو المقدم حسين الهرموش- هو من أبناء إدلب، وهذا مما زاد من حقد النظام عليها.

وقال كركص إن المحافظة منكوبة بشكل شبه كامل، حيث لا يكاد يخلو بيت فيها من شهيد أو مصاب أو معتقل.

وأضاف "لقد دمر طيران النظام أغلب مرافقها الحيوية من مشاف ومدارس، وخاصة في المدن كإدلب (مركز المحافظة) وسراقب وأريحا ومعرة النعمان وجسر الشغور وخان شيخون.  

وتعتبر إدلب من أصغر المحافظات السورية إذ تُقدر مساحتها بنحو ستة آلاف كيلومتر مربع، وتفخر بتاريخها الموغل في القدم حيث لا تزال "المدن المنسية" العائدة لحقب تاريخية مختلفة  شاهدة على عراقة هذا التاريخ.

كما تُعرف إدلب بمساجدها وبطيب هوائها وبكونها أرض الزيتون الذي بدأ موسم قطافه، فهي
-كما يقول كركص- عاقدة العزم على البقاء متحدية طيران النظام والمقاتلات الروسية، فالموت لا يمكنه هزيمة الحياة في مدن بقِدم التاريخ.

المصدر : الجزيرة