تخلص الورقة إلى أن الأزمة بصفوف نداء تونس هي في حقيقتها أزمة بين جيلين سياسيين، أحدهما يمثله قايد السبسي بماضيه البراغماتي العريق ومعه كوادر التجمع الدستوري المنحل. أما الثاني فهو أكثر تمرسا بالصراعات الأيدولوجية ويرمز إليه محسن مرزوق واليسار.

اعتبرت ورقة بحثية -أعدها مركز الجزيرة للدراسات- أن الأزمة الحالية في صفوف حزب نداء تونس تعد أحد مظاهر حرب المواقع داخل الحزب والدولة، مما ينذر بخطورة انتقال هذا الصراع إلى باقي مؤسسات الدولة.

وتشير الورقة إلى أن هذه الأزمة بدأت بمجرد وصول مؤسس الحزب وقائده الباجي قايد السبسي إلى رئاسة الجمهورية واستقالته من رئاسة الحزب بحكم الدستور، حيث أدت هذه الاستقالة إلى تفجر التناقضات بين قيادات الصف الثاني في الحزب.

وترى أنه لا يمكن فصل الأزمة الحالية في صفوف حزب الأغلبية عن الطريقة التي تَشكَّل بها هذا الحزب قبل ثلاث سنوات في سياق الصراع ضد حكومة الترويكا التي أتت بها انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2011.

فقد بدا "نداء تونس" أقرب إلى تجمُّع لكل معارضي الترويكا أكثر من كونه حزبا متماسكا يملك رؤية واضحة، فقد تكوَّن الحزب من معظم بقايا حزب التجمع الدستوري، وهو حزب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وانضمام بعض القوى والأحزاب اليسارية من معارضي الترويكا عموما والإسلاميين خصوصا، ومن هنا فإن انفجار الأزمات داخل هذا الكيان كان متوقعًا بمجرد وصوله إلى السلطة.

الورقة البحثية ترى أن السبسي يبدو منخرطا في الأزمة مما أدى إلى المطالبة باستقالته من الرئاسة والحكم (أسوشيتد برس)

يساريون وتجمعيون
جوهر الأزمة -كما ترى الورقة- يعود إلى الصراع بين اليساريين والتجمعيين، فبينما يرى اليساريون أنهم الأحق بأن يكونوا في موقع القيادة رغم أنهم الأقلية، يرى التجمعيون أن اليسار قد أنجز مهمته، وأن الخطاب الحاد الذي يتبناه اليساريون ضد الإسلاميين لم يعد مناسبا بعد الانتخابات، وأن التمسك بالتحالف مع حركة النهضة مسألة ضرورية لمنح الحكم الجديد الاستقرار اللازم.

وبينما تشير الورقة إلى عجز السبسي عن حل الأزمة الحالية خصوصا بعدما أعلن انحيازه إلى طرف دون الآخر في الصراع، توضح في الوقت نفسه أن خطورة تفجُّر الحزب من الداخل تكمن في تداعياته على مؤسسات الدولة بما فيها الرئاسة والحكومة.

فالرئيس -رغم حياده الظاهري- يبدو منخرطا في الأزمة شخصا وعائلة وإمكانيات، وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس مجلس النواب محمد الناصر الذي أصبح في صلب الأزمة بوصفه الرئيس الحالي لنداء تونس، مما أدَّى إلى تصاعد الأصوات المطالِبة بعزله من رئاسة الحزب.

وقد امتد الصراع إلى صفوف الحكومة نفسها التي أصابتها الأزمة بالشلل وجعلتها تبدو عاجزة عن اتخاذ أي قرارات أو مبادرات لمواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

وعلى ضوء ذلك، ترجح الورقة حدوث تغيير وزاري واسع في ظل التغير المتوقع في التركيبة السياسية التي تمثلها الحكومة الحالية. وبينما ستكون مهمة تشكيل الحكومة الجديدة شاقة في ظل الظروف الحالية، يُتوقع أن تكون هناك مشاركة أكبر لحركة النهضة في الحكومة الجديدة، غير أن التحالف القائم بين النهضة ونداء تونس سيكون أقوى من السابق، خصوصا بعد تخلص النداء ممن يسميهم الإسلاميين في الجناح الاستئصالي بزعامة محسن مرزوق الأمين العام السابق للحزب.

لكن الورقة ترى أنه رغم الأغلبية النيابية المريحة للنهضة والنداء فإن تشكيل حكومة قائمة على هذين الحزبين فقط ستكون هشة سياسيًّا حيث ستجد نفسها أمام معارضة أكثر شراسة، فضلا عن التحديات الاقتصادية والأمنية المتزايدة.

المصدر : الجزيرة