أصبح الاحتماء من القصف أهم أولويات الحياة في الداخل السوري مع دخول الطيران الروسي بقوته وتفوقه، فلجأ الناس إلى المغارات في الجبال وأصبح لكل عائلة مغارة خاصة بها تفر إليها وقت القصف، بينما اتخذت عائلات أخرى من المغارات سكنا دائما.

محمد الناعوري-ريف حماة

تعد مهنة حفر المغارات بريف حماة الشمالي من بين المهن التي أفرزتها الثورة السورية، بعد أن أصبحت الحرب واقع حياة الناس وصار أهم أولوياتهم الاحتماء من القصف الذي يشكل كابوسا ينغص حياتهم.

وزادت حاجة الناس إلى مهنة حفر المغارات بعد بداية قصف الطيران الروسي الذي استدعى طرقا جديدة للتأقلم معه.

ورشات
نشأت خلال الفترة الأخيرة ورشات مختصة بحفر هذه المغارات التي يعتبرها الناس مكانا آمنا في مواجهة القصف، فلا تؤثر فيها الصواريخ لكونها داخل الجبال ومحاطة بالصخور من جميع الجهات.

يقول أبو محمد الحموي الذي يسكن في مغارة ببلدة اللطامنة في ريف حماة، للجزيرة نت، "لا يكاد الطيران الروسي يفارق الأجواء ليلا ونهارا، ولا نستطيع التنبؤ بمكان قصفه أو وقته كما كنا نفعل مع طيران النظام الذي بمجرد أن نسمع صوته نتوجه إلى المغارات أو نخرج من الأماكن التي يتوقع المرصد أن الطائرة ستلقي قنابلها فيها".

ويضيف أبو محمد "شكلت هذه الحالة هاجسا كبيرا لنا، فبمجرد أن نسمع صوت الطيران في الأجواء نركض إلى الملاجئ والمغارات رغم أن الطائرة ربما تكون تحلق فوق قرية أخرى".

هذه الحالة دفعت الكثير من الأهالي -ومن بينهم أبو محمد- إلى اتخاذ المغارات سكنا دائما لها رغم سوء الظروف المعيشية فيها، إذ لا ماء ولا كهرباء يمكن أن يصل إليها، لكن الخوف من استهداف البيوت في أي لحظة دفع أبو محمد لتحمل عتمتها وجوها البارد، بحسب تعبيره.

باب مغارة حُفرت في ريف حماة للاحتماء من القصف الروسي (الجزيرة نت)

أدوات بسيطة
وقد نشأت مهنة حفر المغارات منذ حوالي العام، بحسب أبو صافي أحد أصحاب الورشات في بلدة اللطامنة بريف حماة الشمالي، بسبب طبيعة البلدة الجبلية وتعرضها للقصف المكثف لكونها على خط الجبهة مع حواجز النظام.

ويقول أبو صافي إن مهنته تجسد معنى "النحت في الصخر"، فهو يقوم مع عماله بحفر بيوت داخل الصخر ليعيش فيها الناس في النهاية.

وعن العدة اللازمة للحفر، يضيف أبو صافي أنها تتكون من أدوات بسيطة جدا كالأزاميل التقليدية وآلات الحفر الكهربائية التي كانت تستخدم في حفر الطرقات وأعمال البناء، إضافة إلى مولدات للكهرباء لتشغيل هذه الآلات.

ويقول إن العاملين بعد اختيار مكان الحفر ينقلون أدواتهم ويبدؤون العمل الذي يمكن أن يستمر أسابيع، بحسب قساوة الصخر والمساحة التي سيحفرونها.

ويضيف أنه يتقاضى على المتر الواحد مبلغا يتراوح بين (2400-3200) ليرة سورية، أي ما يعادل ستة دولارات إلى ثمانية، بينما يتغير السعر بحسب طبيعة المكان وبعده.

ويوضح أبو صافي أن هذه الأجرة لا تعد مرتفعة وتتناسب مع الوضع المعيشي للناس في تلك المناطق، مشيرا إلى أن كلفة المغارة المتوسطة المؤلفة من غرفتين وتتسع لعائلة من خمسة أشخاص تصل إلى نحو 75 ألف ليرة سورية (ما يعادل مئتي دولار).

ابتكارات
ومع طول ممارسة المهنة والخبرة، ابتكر العاملون أساليب جديدة لتحسين وضع المغارات وجعلها أكثر ملاءمة للحياة الدائمة، إذ يتم تزويد بعضها بفتحات للتهوية تشبه نوافذ البيوت بينما يتم حفر البعض الآخر بطريقة تمنع دخول ماء المطر والسيول في فصل الشتاء.

كما يتم عزل جدران المغارة بطبقات بلاستيكية وخشبية للتخفيف من برودة الجو داخلها كما هو حال مغارة أبو رامي التي يعيش فيها مع أسرته على أطراف بلدة اللطامنة بعد أن دُمر بيته بفعل القصف.

وتتألف مغارة أبو ارمي من غرفة للنوم وغرفة للمعيشة، في حين تم تصميم الغرفة الثالثة لتكون مطبخا. ورغم كل ذلك يقول أبو رامي إن المغارة تبقى مكانا صعبا للعيش وينقصه الكثير من مقومات الحياة، فلا مكان فيها للاستحمام ولا دورة مياه.

المصدر : الجزيرة