حاوره في برلين: خالد شمت

يكتسب الحوار مع رئيس مؤتمر ميونيخ الدولي للسياسات الدفاعية والأمنية فولفغانغ إيشنغر الذي يشغل أيضا منصب رئيس مفوضية الأمن بمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، أهميته من موقعه واطلاعه على ما يدور في دوائر صناعة القرار الغربية المهمة التي يمتلك قنوات تواصل واسعة معها ومع قادة وسياسيي عدد كبير من الدول الزائرين لألمانيا.

وينتقد إيشنغر عدم تحرك أوروبا بجدية تجاه الأزمة السورية إلا بعد أن دقت أعداد كبيرة من اللاجئين وحوادث الإرهاب أبوابها، ويعتبر أن الوقت حان لتجاوز الاتحاد الأوروبي دور "النمر الورقي" في مجال السياسة الخارجية، وتوليه إدارة ملف الأزمة السورية بأعلى مستوياته القيادية.

ويرى الدبلوماسي الألماني المخضرم أن الحاجة باتت ملحة لإقامة مناطق آمنة وممرات إنسانية للسوريين يحميها الغرب من الجو، وعلى الأرض قوات عربية بتفويض أممي. وفيما يلي نص الحوار:
 
 تتضارب منذ بداية الأزمة بسوريا الإشارات الصادرة من العواصم الغربية المؤثرة، ما بين مؤكد أن بشار الأسد فقد شرعيته ولا بد من رحيله، إلى دعوات للتعاون معه لقتال تنظيم الدولة.. ألا تري أن هذا التردد يسهم في تعزيز القناعة بعدم وجود إستراتيجية جادة للغرب لحل هذه الأزمة؟

- أنت محقفي بما ذكرت، وهذا النقاش -الذي كان يتوجب تجنبه- حول رحيل الأسد أو بقائه لم يؤد إلا إلى الفوضى، ولم يطور إستراتيجية جادة في الاتجاه الصحيح، وكل الحكومات الغربية - ومنها ألمانيا- كررت مطلبها برحيل الأسد، غير أنها لم تفعل شيئا لتحقيق هذا الهدف سوى الكلام. وبنهاية العام 2015 ما زال الأسد موجودا رغم عدم سيطرته إلا على جزء ضئيل من سوريا، وهو جزء من المشكلة وليس بالتأكيد جزءا من حلها.

وهدف مفاوضات الحل السياسي في فيينا هو رحيل الأسد لأنه لا يمكن تحقيق بداية سياسية جديدة في سوريا بوجوده، وهذا يجعل السياسة الواقعية مطالبة بتجرع المر وإشراك حكومة وجيش الأسد -بقدر الحاجة- في المفاوضات للوصول إلى حكومة انتقالية لا يسيطر عليها الرئيس السوري. وأتصور أن لروسيا دورا أساسيا في هذه اللعبة، إذ لو أبلغت موسكو الرئيس الأسد في لحظة ما برفع حمايتها عنه، فسيفتح هذا الباب لبداية جديدة في سوريا.

 لكن موسكو لم يصدر عنها أي إشارة إيجابية حتى الآن بهذا الاتجاه؟

- روسيا لا ترى نفسها في علاقة زواج مع الرئيس السوري، وهي لا تريد أن تعقب إزالة دكتاتور فوضى مثلما جرى في العراق وليبيا، وما يهمها فقط أن تكون حاضرة ولها كلمة ودور في أي ترتيبات مستقبلية بسوريا. وأرجح أن يكون لها دور إيجابي، وأن تتخلى عن الأسد إن وجدت ضمانة بانتقال منظم للسلطة بعد وقف لإطلاق النار.

وقد كنت ممثلا لألمانيا في مفاوضات الحرب البوسنية منتصف التسعينيات، وشاهدت أن الرئيس الصربي الأسبق سلوبودان ميلوسوفيتش لم يرفع الراية البيضاء إلا بعد تخلي موسكو عنه، وهو ما أرجّح حدوث أمر مماثل له في سوريا، لأن الروس يدركون أن بداية جديدة في هذا البلد غير ممكنة مع بشار الأسد المسؤول عن قتل عشرات الآلاف من مواطنيه.

 هل تتوقع تخلي موسكو عن الأسد؟

- هذا ممكن إن شعرت روسيا أن انتقال السلطة في سوريا سيجري بطريقة منظمة ولن يؤدي إلى إشعال حرب أهلية واسعة، واتفاق فصائل المعارضة السورية في الرياض قبل أيام مثل خطوة جيدة بهذا الاتجاه، غير أنه لم يقدم للأسف ضمانة على اقتراب وجود حكومة بديلة لنظام الأسد.

 كيف تقيم اتفاق فصائل المعارضة السورية في السعودية؟

- مبادرة مرحب بها رغم صعوبة الاقتناع بتحقيقها الكثير، وهي بداية في الاتجاه الصحيح مع مفاوضات فيينا التي نجحت في جمع السعودية وإيران والقوى الإقليمية المهمة لأول مرة منذ أربع سنوات، بهدف التوافق على سوريا ديمقراطية علمانية ذات نظام انتخابي شفاف.

 هل أولوية الغرب في سوريا رحيل الأسد أم قتال تنظيم الدولة؟

- الاثنان معا، والحرب ضد تنظيم الدولة مهمة لكنها غير كافية، والغرب ارتكب خطأ كبيرا لاعتقاده -تحت تأثير أحداث باريس- أن الهجمات الجوية ضد ما يسمى الدولة الإسلامية كافية، وأتصور أن المطلوب في سوريا هو إستراتيجية عسكرية وسياسية شاملة تعمل على إضعاف أو تقوية كل القوة العسكرية الموجودة على الأرض: قوات النظام ومجموعات المعارضة المسلحة والتنظيم، ليدرك كل منهم أنه لن ينتصر وحده في هذه الحرب، وأن المخرج الوحيد للنزاع هو الجلوس إلى مائدة المفاوضات.

 إذا عدنا إلى روسيا، ما هي رؤيتك لتدخلها العسكري في سوريا؟

- الضربات الجوية الروسية لم تركز حتى الآن على ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية، واستهدفت مجموعات سورية معارضة وهذا غير مفيد، وهذا التدخل العسكري جاء كأداة أوجدت لروسيا موضعا مهما سيتيح لها الحضور في أي ترتيبات مستقبلية بسوريا وهو ما أراده بوتين، لكن استمرار هذا التدخل على المدى البعيد يثير شكوكا في جدواه لموسكو، وأتوقع أن يخلق لها عداوات لا حصر لها بين المسلمين السنة.

 هل ترى تهديد بوتين قبل أيام باستخدام قنبلة نووية في سوريا موجها ضد تنظيم الدولة أم الغرب؟

- هذه ليست أول مرة تذكّر فيها موسكو بأنها قوة نووية، وما قاله بوتين ليس علامة قوة، بل مظهرا لضعف سياسي شديد وعجز عن تقديم أي حل للأزمة إلا بالطريقة التي تحدث بها، وتهديده بالنووي بسيناريو حرب كالحادث في سوريا مضر بروسيا ويثير مخاوف في المنطقة، ويعزز دوائر في حلف شمال الأطلسي (ناتو) تدعوه إلى مزيد من القوة لمواجهة التهديد النووي الروسي.

 هل ستقود سياسة بوتين إلى مواجهة بين روسيا والغرب؟

- لا أرى ضمن الاهتمامات الروسية المخاطرة بنزاع واسع مع الغرب والناتو، وبنفس الوقت فإن بوتين يضغط بكل قوة لتعترف الولايات المتحدة بروسيا وتتقبلها كقوة عظمى ند لها، وألا يكرر أي رئيس أميركي قادم وصف روسيا بأنها قوة إقليمية.

 أنت كنت مع وزير الخارجية الألماني قبل أسابيع في طهران ضمن تعاون مشترك بين مؤتمر ميونيخ وإيران، كيف تنظر إلى السياسة الخارجية لإيران بعد التوافق معها حول برنامجها النووي؟

- سيكون مبالغا من يتصور أن الاتفاق حول البرنامج النووي لإيران سيؤدي إلى تغيير سريع في سياساتها الخارجية، لأن طهران ستبقى شريكا صعبا وخصما للمنطقة وللغرب، وأجندتها بعد رفع العقوبات تركز على استعادة دورها كقوة إقليمية في المنطقة. وتطور سياسات إيران مرتبط بالأجيال الشابة الممثلة للشريحة السكانية الأوسع هناك، وهذه الفئة لديها اهتمام بالتواصل مع العالم وعدم الانعزال، ومع الوقت سيتباعدون مستقبلا بشكل قوي عن تأثير القيادة الشيعية، لذلك ليس متصورا تحول الذئب إلى حمل خلال وقت وجيز مع البرنامج النووي أو بدونه.

 ما الجديد في مؤتمر ميونيخ الدولي للسياسات الأمنية والدفاعية في فبراير/شباط القادم؟

- طبيعة المؤتمر وأولوياته تركز على استضافة صناع القرار من دول مختلفة للحديث حول التحديات العالمية الراهنة، لذلك سندعو إدارة أوباما وليس دونالد ترامب، وعبد الفتاح السيسي ليتحدث عما يجري في مصر وليجيب على أسئلة انتقادية من القادة العالميين، ولا أستبعد دعوة شخصيات معارضة وممثلين للمجتمع المدني، وأصواتا ناقدة للنظام في روسيا. وستتصدر مناقشات المؤتمر قضايا الإرهاب وغياب الدولة في دول بالشرق الأوسط، وأزمة اللاجئين الذين زاد عددهم عن ستين مليونا.

المصدر : الجزيرة