يبقى ملف العلاقات التركية الروسية مفتوحا على مصراعيه أمام كل الاحتمالات بدءا من حدها الأقصى بحرب جديدة بين وارثي إمبراطوريتين كبيرتين، وصولا إلى عودة المياه إلى مجاريها تحقيقا للمصلحة ولو على حساب الملف السوري.

عبد الرحمن أبو العلا

أسباب عديدة وقفت وراء تكرار حالات الشد والجذب بين تركيا وروسيا على مر التاريخ، دفعت البلدين لخوض غمار حروب عدة، غير أن كلمة السر في التوتر الذي تشهده علاقتهما مؤخرا بعد فترة من الود هي سوريا.

فمنذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، كان للسياسة التركية تجاه سوريا فرضية واحدة هي الإطاحة بنظام بشار الأسد، بينما كانت السياسة الروسية على النقيض من ذلك وأكبر داعم للأسد.

ورغم هذا التناقض، فإن ذلك لم ينعكس على الجانب الاقتصادي، فروسيا لا يمكنها التخلي عن تركيا، خصوصا بعدما تعرضت لحصار اقتصادي غربي شديد.

ولهذا أبقت روسيا على تركيا (جارة منابع النفط) قريبة منها، فهي بمثابة الممر الأساسي للغاز الطبيعي الروسي نحو الأسواق العالمية، كما أن موسكو هي أكبر مورّد لاحتياجات تركيا من الغاز، وارتفع حجم التجارة البينية بين البلدين من 4.2 مليارات دولار عام 1997 إلى 31.2 مليارا عام 2014، إذ صدرت تركيا إلى روسيا ما قيمته 5.9 مليارات دولار، أما الـ25.2 مليارا المتبقية فهي مستوردات تركية من روسيا.

الرئيسان التركي (يمين) والروسي خلال قمة أنطاليا لمجموعة العشرين (رويترز)

وجاء اندفاع روسيا إلى التدخل العسكري المباشر في سوريا أواخر سبتمبر/أيلول 2015 ليمثل تجاوزا للخطوط الحمراء بالنسبة إلى تركيا.

شمال الجارين
وينصب التركيز التركي على شمال سوريا وشمال العراق، وتهدف سياسة أنقرة تجاه سوريا إلى ضمان مقعد لها على طاولة المفاوضات القادمة بخصوص تحديد مستقبل سوريا. ويمكن لهذا أن يتحقق إذا تمكن الثوار المدعومون من قبل تركيا بالحفاظ على المناطق الإستراتيجية التي يسيطرون عليها في شمال غرب سوريا، مما حفز الروس على استهداف تلك المناطق بغارات جوية مكثفة.

ونفذت الطائرات الروسية مئات الطلعات الجوية في شمال سوريا. وتقول موسكو إنها تستهدف "إرهابيين" فقط، لكن نشطاء يقولون إن غاراتها تضرب أساسا جماعات معارضة يساندها الغرب.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فما وُصفت بالاستفزازات الروسية لتركيا امتدت لتشمل خرقا متكررا لطائرات حربية روسية للمجال الجوي التركي، إلى أن أسقطت أنقرة طائرة سوخوي-24 روسية يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وشهدت علاقات البلدين توترا كبيرا، إذ طالبت روسيا تركيا بالاعتذار عن إسقاط الطائرة، الأمر الذي رفضته الأخيرة مطالبة موسكو بالاعتذار عن الانتهاك المتكرر لمجالها الجوي.

العقوبات
ويوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوما يقضي بفرض سلسلة عقوبات ضد أنقرة، من أبرزها إعادة العمل بنظام التأشيرات لدخول الأتراك إلى روسيا، وتشديد الرقابة الجمركية على البضائع التركية، وحظر استخدام الأيدي العاملة التركية، بالإضافة إلى حظر استيراد بضائع محددة.

كما أن المرسوم يلزم مكاتب السياحة الروسية بوقف تسويق الرحلات السياحية إلى تركيا ابتداء من مطلع العام القادم.

وفي وقت لاحق، نصحت الخارجية التركية مواطنيها بتجنب السفر إلى روسيا إلا للضرورة الملحة، عقب تعرض الزائرين والمقيمين الأتراك هناك إلى مضايقات. واكتفت أنقرة بالقول إن بإمكانها فرض عقوبات مضادة على موسكو.

ولم يشأ عام 2015 أن يرحل، دون أن يبقي ملف العلاقات التركية الروسية مفتوحا على مصراعيه أمام كل الاحتمالات بدءا من حدها الأقصى بحرب جديدة بين وارثي إمبراطوريتين كبيرتين، وصولا إلى عودة المياه إلى مجاريها تحقيقا للمصلحة ولو على حساب الملف السوري.

المصدر : الجزيرة