عاطف دغلس-نابلس

في ذات التاريخ ونفس الوسيلة، وبالقرب من المكان الأول الذي حاولت فيه قبل عامين طعن أحد جنود إسرائيل، رحلت مرام حسونة (21 عاما) ورحلت معها آمال وطموحات فتاة ظلت تمقت غطرسة احتلال استباح الأرض والإنسان وقتل حتى الآن أكثر من مئة فلسطيني بدم بارد منذ مطلع هبّة القدس الحالية.

وعند حاجز عناب شرق طولكرم، استشهدت أمس الثلاثاء مرام حيث همت بتنفيذ عملية طعن ضد جنود الاحتلال الموجودين عند الحاجز، لكنهم لم يمهلوها كثيرا، فأطلقوا النار عليها وأردوها تزامنا مع اليوم الذي اعتقلت فيه قبل عامين.

وبعد أن أيقظت والدها لتأدية صلاة الفجر بالمسجد القريب من منزلهم، همّت مرام بإعداد نفسها كما هي عادتها كل يوم، لكن وجهتها لم تكن جامعتها التي تدرس بها الأدب الإنجليزي، بل حاجز عناب شرق طولكرم حيث استشهدت.

والدة الشهيدة: مرام كانت ترى ارتقاء الفلسطينيين واحدا تلو الآخر وتتمنى أن تكون مثلهم (الجزيرة)

فتاة أبيها
يقول والدها رامز حسونة (أبو العبد) إنه وكأي يوم آخر لم يلحظ على فتاته الوحيدة من بين ذكور ثلاثة أي تغير يشي بأنها ستقدم على مثل هذه العمل "ولم أعلم بذلك إلا بعد استشهادها، ولو أدركت ذلك لمنعتها وبكل قوة، لا لشيء، لأني أحبها ولن يحلو العيش بدونها".

ويضيف أنه وللوهلة الأولى لم يصدق ما تهامس به الجيران، بل رفض الرد على كل المكالمات التلفونية التي تهافتت عليه تباعا "فأنا لم أصدق بعدُ رحيلَها، وأعيش أسوأ أيام حياتي".

والدة مرام قالت إن ابنتها كانت حنونة ويحبها الجميع (الجزيرة)

وعن مرام الفتاة المدللة والمحبوبة من الجميع والتي تحب الجميع أيضا، قال والدها إن فتاته "كانت متدينة لدرجة كبيرة وتدرك كل ما تقوم به، وهي أيضا حنونة وتساعد كل من يقصدها، وخاصة في البيت".

ولم تكن مرام لتسامح الاحتلال الاسرائيلي على جرائمه واستهتاره في قتله الفلسطينيين لا سيما الأطفال والفتيات نظيراتها، فهي لم تسامحه ولم تغفر له جريمته بحقها عندما اعتقلها قبل عامين وأوقعها ضربا حتى شجّ رأسها، وأخضعها لتحقيق قاس لما تنس طعمه بعد، ونكّل بها خلال عرضها على المحاكم مرات عديدة تظل القيود الحديدية لساعات طويلة تلف معصميها وتترك عليهما أثرا.

ويردف الوالد المكلوم أن مرام كانت تتابع الأحداث بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وترى ارتقاء الشهداء واحدا تلو الآخر "وكانت تتمنى أن تستشهد مثلهم، لكن لم أتصور ما فعلته".

تالا وحلا لم تخفيا حزنهما على رحيل مرام حيث كانت تحبهما جدا (الجزيرة)

لحظة الفراق
ومثل أي فتاة كان لمرام خصوصيتها في البيت وحبها لعائلتها لا سيما والدتها، إذ كانت تحمل عنها جانبا من أعباء المنزل، تقول والدتها حنان حسونة (أم العبد) التي ما انفكت دمعاتها تلازمها منذ أن سمعت بخبر استشهادها.

وأبرز ما عانته مرام -وفق والدتها- هو اعتقالها سبعة شهور في سجون الاحتلال عانت خلالها الويلات، وكانت رغم ذلك تظهر رباطة جأش وشجاعة وعزما على رفض جرائم الاحتلال وقمعه للفلسطينيين، وتشير إلى أن محطات حياتها خاصة بعد الإفراج لم تخرج عن نطاق الاهتمام بدراستها الجامعية وسعة اطلاعها وشغفها بالمتابعة لكل حدث جديد.

وحيث تعيش عائلة مرام في حي رفيديا بمدينة نابلس، تظاهر عشرات الشبان واحتشد المواطنون لتقديم الدعم والعزاء، بعضهم سارع لاعتلاء جدران المنزل وإلصاق صور الشهيدة وتزيينها بالأعلام الفلسطينية.

في حين كانت حلا حسونة وتالا أبو بكر صديقتي مرام الصغيرتين تنشدان بهمس أغاني وطنية وترفعان علامة النصر والعلم الفلسطيني بين أيديهما، وتقول الفتاتان إن حزنهما برحيل مرام كبير جدا، فمن قريب كانتا تقصدانها لشيء من المرح "فقد كانت أكثر من صديقة".

ومثل شهداء كثر تجاوز عددهم الأربعين، ترفض إسرائيل تسليم جثمان مرام لذويها، وتحتجزها لديها في مكان مجهول لا يعرفونه، وهو ما يزيد حرقة في قلوبهم.

المصدر : الجزيرة