بمجرد إعلان الولايات المتحدة عزمها نشر قوات خاصة في العراق تحت حجة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية على الأرض، بادرت الحكومة العراقية للإعلان بشكل قاطع عن رفضها تلك المبادرة بحجة "الاحترام الكامل للسيادة العراقية".

المحفوظ فضيلي

بعد أربع سنوات من انسحاب القوات الأميركية من العراق، تلوح في الأفق بوادر تدخل أميركي بري في بلاد الرافدين لا يبدو أن واشنطن متحمسة له قدر حماستها لغزو البلاد عام 2003، ولا يبدو أن حكام بغداد الجدد مستعدون للترحيب به قدر ترحيبهم بالتدخل السابق للعم سام، وذلك بعد أن تبدلت أمور كثيرة في أحوال البلاد والمنطقة برمتها.

فبمجرد ما أعلنت الولايات المتحدة عزمها نشر قوات خاصة في العراق لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية ، بادرت الحكومة العراقية للإعلان بشكل قاطع عن رفضها المبادرة تحت حجة "الاحترام الكامل للسيادة العراقية".

ولم ينحصر الرفض العراقي على المستوى الحكومي، بل امتد خارجها، حيث ارتفعت أصوات مليشيات شيعية للتعبير عن معارضتها المسعى الأميركي، وجاهر بعضها بعزمه على ملاحقة ومقاتلة أي قوة أميركية تنشر في العراق.

وتثير تلك المواقف الكثير من الأسئلة بشأن حدود السيادة وتجلياتها على الأرض في العراق في ظل هيمنة تنظيم الدولة على أجزاء كبيرة من غرب وشمال غرب البلاد، وتمتع إقليم كردستان العراق بحكم ذاتي واستقلالية قراره السياسي في الكثير من القضايا، إضافة إلى التغلغل الإيراني الواسع في العراق، خاصة في المفاصل الأمنية.

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أعلن رفض بلاده المبادرة الأميركية (غيتي)

هواجس أخرى
كما أن استناد المسؤولين العراقيين إلى مبرر السيادة يثير هواجس أخرى، حيث إن سماء البلاد مفتوحة منذ أكثر من عام أمام طائرات التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم الدولة، بينما تنشر الولايات المتحدة حاليا نحو 3500 من قواتها في العراق لمهام تدريبية واستشارية للجيش العراقي.

ويحتمل أن يكون سؤال السيادة أكثر إزعاجا لبغداد إذا تأكدت التسريبات التي تقول إن واشنطن تعتزم نشر قواتها الخاصة وقوامها نحو خمسين فردا، ويرجح أن تصل إلى مئتين في وقت لاحق، في مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، ضمن مسعى للتنسيق مع القوات الكردية وأطراف أخرى في استهداف تنظيم الدولة.

وبينما تنظر بغداد للموضوع من زاوية السيادة ومتعلقاتها، فإن الولايات المتحدة تبدو كأنها ماضية للتدخل البري في العراق بخجل، وذلك بالنظر إلى الحجم المتواضع للقوات المتوقعة، وإلى الحيطة الكبيرة التي تتخذها قبل أن تمر للتنفيذ.
 
ولا يزال الملف قيد التداول في أروقة السياسة ومحل تجاذب بين الديمقراطيين والجمهوريين الذين يؤيدون تدخلا بريا واسعا في العراق وسوريا لمقاتلة تنظيم الدولة، ويعكس ذلك التجاذب حالة الانقسام في صفوف الرأي العام، حيث أظهر استطلاع للرأي أن 47% من الأميركيين يؤيدون التدخل البري بينما يعارضه 46%.

وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر قدم مبادرة بلاده بكثير من الحذر (غيتي)

حيطة وحذر
ولم تسلم المبادرة من الانتقادات حتى في صفوف الحزب الديمقراطي، إذ عبر السيناتور كريس مورفي عن قلقه من فشلها، قائلا إن بطء التدخل الأميركي البري في العراق لضرب تنظيم الدولة ينذر بتكرار الأخطاء التي ارتكبتها واشنطن في الحرب التي تلت غزو العراق عام 2003.

وتحيط الإدارة الأميركية تحركها الجديد في العراق بالكثير من الحيطة والحذر بالتشديد على أن مهمة هذه القوات ستنحصر في شن هجمات على تنظيم الدولة، وتحرير الرهائن، وجمع المعلومات الاستخباراتية عن التنظيم، واستهداف قياداته قتلا أو أسرا.

كما تصرّ الإدارة الأميركية على أن مبادرتها الجديدة انعكاس لقناعة ذاتية بضرورة التدخل بأسلوب آخر في الحرب على تنظيم الدولة الذي تعاظم خطره، وأنه لا علاقة للمبادرة بالتدخل الروسي الواسع في سوريا الذي بدأ قبل أكثر من شهرين تحت ذريعة محاربة الإرهاب.

وفي ظل تلك المحاذير، يمكن القول إن المبادرة الأميركية الجديدة تمثل موقفا في المنزلة بين المنزلتين: رغبة إدارة باراك أوباما في دحر تنظيم الدولة من جهة، وحرصه على عدم توريط بلاده في أزمات المنطقة، من جهة أخرى.

المصدر : الجزيرة