يعتقد متابعون بأن الاعتقالات والمتابعات لعدد من المخترعين في تونس بشبهة الإرهاب تبعث رسائل سلبية، عنوانها مضايقة الطاقات القادرة على الابتكار، وتعكس مدى فشل احتضان هذه الفئة، بينما تنفي الجهات الأمنية وقوفها ضد المبتكرين.

خميس بن بريك-تونس

أثار اعتقال بعض المخترعين في تونس بحجة الاشتباه في تعاملهم مع إرهابيين استياء بعض المراقبين، الذين أعربوا عن أسفهم لما يرونه تهميشا للطاقات البشرية الذكية وغيابا لإستراتيجية حكومية تطور منظومة البحث العلمي وتحقق التقدم للبلاد.

عمار الشاذلي درويش هو أحد المخترعين الذين لاحقتهم هذه التهمة، بعد أن تم ضبطه الأسبوع الماضي من قبل قوات الحرس أثناء صنعه مروحية صغيرة طولها ثلاثة أمتار ونصف المتر، وتسع شخصين بورشته لتصليح السيارات بمدينة بن عروس بالعاصمة.

أطلق سراح هذا الميكانيكي بعد التحقيق معه ساعات دون العثور على دليل لإدانته بالتخطيط لعمل إرهابي، بينما ظل ابنه الذي ساعده في تجسيد الطائرة موقوفا أسبوعين بتهمة الاشتباه بتورطه مع شبكة لتسفير مقاتلين تونسيين إلى ليبيا وسوريا.

المخترع الشاذلي (يمين) يصلح سيارة أحد زبائنه في ورشته بالعاصمة تونس (الجزيرة)

يقول عمار الذي عاد للعمل بورشته بقلب رجل مكبل بالخوف على مصير ابنه، ومثقل بهموم زوجته، إنه كان يقوم بصناعة الطائرة بمساعدة ابنه على مرأى أهالي حيه، نافيا في تصريح للجزيرة نت أن يكون ابنه الحاصل على شهادة دراسات عليا في التقنية متورطا مع إرهابيين.

وبحسب شهادة محاميه لطفي طبيب، الذي عاشره منذ سنوات طويلة، فقد قام عمار بتصميم سيارتين صغيرتين وابتكار آلة لشحن مكيفات السيارات بالغاز، علاوة على صناعة طائرة عمودية صغيرة بمحرك سيارة بقيت إلى حد الآن محجوزة لدى قوات الأمن.

ويقول المحامي للجزيرة نت إن قضية موكله، التي ما تزال جارية، أخذت حجما كبيرا بسبب علم الشرطة بوفاة ابنه الثاني في القتال بسوريا، رغم تأكيده أن موكله هو من قام بالإبلاغ عن ابنه عام 2013 عندما سافر إلى سوريا وعندما قتل أيضا بالحرب.

 العمري تؤكد غياب حاضنة لرعاية المخترعين في تونس (الجزيرة)

تحقيقات
قضية مخترع الطائرة ليست الأولى التي تحاط بتحقيقات أمنية حول شبهة الإرهاب، فمنذ أكثر من شهرين اعتقل مخترع تونسي آخر قام بصنع صاروخ يصل مداه إلى ثلاثة كيلومترات من قبل الجيش، ثم تم تسليمه إلى الأمن للتحقيق معه رغم أنه هو من أعلم الجيش بابتكاره.

قضى المخترع حاتم القرمازي الذي يسكن بمحافظة القصرين 72 يوما رهن الإيقاف بتهمة "الإفراط في التفكير"، بسبب نجاحه في صنع صاروخ طوله متر ونصف المتر، وهو الآن يستعد للمثول أمام القضاء في جلسة حدد لها يوم 23 فبراير/شباط المقبل.

ورغم مرارة الاعتقال والتحقيق، يقول حاتم إن قضيته مثلت فرصة للاعتراف بقدراته الذكية، داعيا السلطات التونسية إلى الاهتمام بطاقاته وتوظيفها في خدمة بلاده، لا سيما أنه يؤكد أنه قادر على صنع أنواع من الأسلحة على غرار المدافع والصواريخ والبنادق.

ويقول المتحدث باسم وزارة الداخلية وليد الوقيني للجزيرة نت إن المؤسسة الأمنية "ليست ضد الاختراعات، وإن هناك طرقا قانونية في هذا الميدان كان لا بد من احترامها حتى يبقى القائمون على الاختراعات بمنأى عن شبهات الإرهاب في وضع أمني دقيق" تمر به البلاد.

 الشكندالي: تراجع الاعتمادات المخصصة للبحث العلمي بمثابة نكبة (الجزيرة)

تهميش
لكن حياة العمري المخترعة التونسية التي أحرزت العديد من الجوائز العالمية تقول إنه "من المؤسف أن تظل الطاقات القادرة على الابتكار والاختراع مهمشة إلى هذه الدرجة، ويقع مضايقتها في البلاد".

وتقول العمري، وهي نائبة عن حركة النهضة، للجزيرة نت "لدينا طاقات شبابية قادرة على الابتكار في شتى المجالات، لكن مع ذلك لا توجد حاضنة ترعاهم"، مشيرة إلى أن تطوير البحث العلمي هو السبيل الوحيد للتقدم واستقلال البلاد من التبعية للخارج.

من جهته، يؤكد مدير مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي رضا الشكندالي غياب "رؤية إستراتيجية في تونس لتطوير البحث العلمي الذي بقي مرتبطا دائما بالتعليم العالي ومنحصرا في المسائل النظرية".

ويضيف للجزيرة نت أن تراجع نسبة الاعتمادات المالية المخصصة للبحث العلمي من الموازنة العامة للدولة (0.34%) يمثل نكبة لمنظومة البحث العلمي، التي قال إنها يجب أن تتشابك فيها كل القطاعات وتوظف فيها كل الطاقات البشرية الذكية.

المصدر : الجزيرة