بين المطالبة بتحديد أهداف واضحة لها، وشعارات مرحلية وأخرى أبعد، وبين تركها عفوية تعتمد على الاجتهادات الشعبية، والنأي عن الفصائل أو المؤسسات الرسمية، تعيش "الهبة الفلسطينية" حالة من الجزر تفتح شهية التكهنات بشأن مستقبلها.

عوض الرجوب-الخليل

بعد مضي أكثر من عشرة أسابيع على اندلاع الهبة الفلسطينية وتزايد أعداد الشهداء والجرحى، يلاحظ تراجع زخم المشاركة الجماهيرية في المواجهات، رغم الحضور الواسع في جنازات الشهداء، لتطرح بالتالي تساؤلات عن فرص استمرار المواجهة الحالية وعناصر قوتها أو مهدداتها.

ورغم توافق محللين على مبدأ "استمرار الاحتلال يعني استمرار المقاومة"، والشكل الذي يضمن استمرار المقاومة وهو الطابع الشعبي، فإن وجهات النظر اختلفت بشأن أهمية توحيد الجهود وتشكيل قيادة للشارع الذي لم يستأذن أحدا عندما انتفض.

وقد استشهد 121 فلسطينيا حتى الآن في المواجهات مع الاحتلال، نحو خمسهم من الأطفال، بينما أصيب أكثر من 15 ألفا آخرين بجراح، واعتقل ما يزيد على 2500 فلسطيني.

الطابع الشعبي
ويرى الصحفي في جريدة الحياة الرسمية صالح مشارقة أن أهم مقومات استمرار الهبة الحالية هو حفاظها على طابعها الشعبي غير المنظم وغير المنتمي لأي فصيل فلسطيني من جهة، وعدم مواكبتها من قبل السلطة الفلسطينية من جهة ثانية.

وأضاف مشارقة أن ترك المجال للناس للقيام بعمليات فريدة إبداعية وغير منظمة تعتمد على النَفس الطويل، وبعيدا عن المواجهة التقليدية والعمليات العسكرية والتفجيرية التي قد تعطي مبررا للبعض لعدم التعاطي مع الحقوق الفلسطينية، كل ذلك يشكل عناصر قوة تساعد على استمرار المواجهة.

مشارقة: أهم مقومات استمرار الهبة حفاظها على طابعها الشعبي غير المنظم (الجزيرة)

وأشار إلى أن عكس العوامل السابقة هو ما يهدد استمرار الانتفاضة، موضحا أن تدخل الفصائل أو السلطة أو الأجهزة الأمنية في إدارة الانتفاضة "سيفسدها ويحرفها عن بوصلتها".

ولا يرى مشارقة في الوحدة الفصائلية مصدر قوة للانتفاضة أو مطلبا في المرحلة الراهنة؛ "فالشارع على مدى التاريخ ليس كتلة واحدة، وغير متجانس تاريخيا حول هذا الموضوع، وغير مطلوب منه أن يتجانس".

ونوه إلى تغير التحالفات وبنية الأشكال والاقتراحات الفكرية والثورية، ولم تعد الوحدة هي الضامن لنجاح المسار السياسي، فالتعدد وظهور قطاعات مختلفة من الجمهور الفلسطيني مفيد على المدى البعيد ويضمن التعددية وقبول الآخر.

وكشف أن الاحتلال لم يقرأ تاريخيا الدرس الفلسطيني جيدا، "فكلما زاد الضغط تولّدت أشكال جديدة من القتال"، مبينا أن من يحلل مقابلات أهالي الشهداء ومنفذي العمليات يكتشف حجم وقدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة الضغوط عليه.

تحديد الهدف
من جهته، ذهب الصحفي والباحث الفلسطيني أسامة العيسة إلى أن أهم ضامن لاستمرار الهبة الحالية -كما يفضل تسميتها- هو تحديد أهداف واضحة لها، وشعارات مرحلية وأخرى أبعد، والابتعاد عن الشعارات الزائفة ومستحيلة التحقق، أو تلك التي لا تناسب حركة شعبية تسعى للتحرر من الاحتلال.

العيسة: الهبة بحاجة إلى قيادة جديدة شابة في ظل فشل الفصائل (الجزيرة)

ولا يرى العيسة في ارتقاء شهداء كُثر من الجانب الفلسطيني مقابل قتلى أقل من الجانب الإسرائيلي مؤشرا لنجاح الانتفاضة، منتقدا أداء وسائل إعلام فلسطينية ترى الشهادة في حد ذاتها هدفا.

وبالإضافة إلى تحديد الهدف، قال العيسة إن الهبة بحاجة إلى قيادة جديدة شابة في ظل ما يراه فشلا فصائليا واضحا، مشيدا ببعض مظاهر التضامن والوحدة على الأرض، خاصة في جمع التبرعات لضحايا الاحتلال، وهي خصائص تفتقدها القيادة.

أما عن مستقبل المقاومة، فشدد على أنه "ما دام هناك احتلال فهناك مقاومة"، مبينا أنه من المناسب خوض معركة أخرى في المجتمع الإسرائيلي بالتوازي مع ما يدور على الأرض من خلال استقطاب كثير من المناهضين للاحتلال داخل إسرائيل من كتاب وسياسيين وصحفيين وغيرهم، إضافة إلى تحرك مماثل على مستوى العالم.

المصدر : الجزيرة