لا ينحصر تراجع اللغة العربية فقط على الناحية الرسمية في إسرائيل، فقد لوحظ انحسار كبير في التخاطب بها وسط اليهود الشرقيين، مما دفع باحثين للتحذير من خطر انقراضها، مشددين على حيويتها بصفتها "اللغة الأم للكثيرين ولغة الجيران".

وديع عواودة-حيفا

مع تصاعد العنصرية والكراهية في إسرائيل ضد العرب، تتراجع مكانة لغة الضاد فيها على المستويين الرسمي والشعبي.

ويتجلى ذلك في مشاريع قوانين مطروحة في الكنيست تقضي بعدم الاعتراف بالعربية لغة رسمية، وسبق ذلك قبل عامين الشروع في استبدال أسماء الطرق العربية بأخرى عبرية.

ولا ينحصر تراجع العربية فقط على الناحية الرسمية، إذ لوحظ انحسار كبير في التخاطب بها وسط اليهود الشرقيين، مما دفع باحثين للتحذير من خطر انقراضها، مشددين على حيويتها بصفتها "اللغة الأم للكثيرين ولغة الجيران".

اعرف عدوك
وأظهر استطلاع رأي أجرته جامعة تل أبيب أن الإسرائيليين لا يتقنون العربية، وأن نظرة الغربيين منهم أفضل من نظرة اليهود الشرقيين لها، وأن أهميتها بالنسبة لأغلبيتهم -غربيين وشرقيين- تنبع من حاجة "اعرف عدوك".

نتائج الاستطلاع التي كشفتها ندوة استضافتها الجامعة باللغة العربية للمرة الأولى الأسبوع الماضي وشارك فيها 750 شخصا، أشارت إلى أن الاهتمام بلغة الضاد يتفاوت أيضا بين الأجيال، وأن هناك جيلا من الشباب -خاصة من أصول شرقية- يعمد إلى محو كل ما يربطه بالثقافة والهوية العربية.

كما يظهر الاستطلاع الذي حمل عنوان "اليهود الشرقيون واللغة العربية" وأشرف عليه أستاذ علم الاجتماع البروفيسور يهودا شنهاف، أن عُشر اليهود في إسرائيل فقط يعتقدون بأنهم يتحدثون أو يفهمون العربية بصورة جيدة.

وتنخفض النسبة أكثر عند الحديث عن قراءة النصوص وفهمها، وتقل نسبة الذين يعتقدون أن بمقدورهم قراءة كتاب أو صحيفة بالعربية إلى أقل من 1%.

وتبلغ نسبة إتقان العربية فهما وقراءة وتحدثا لدى شريحة أبناء الجيل الأول من اليهود الشرقيين 25.6%، وهي تقل بمرتين عن نسبتهم لدى الجيل الثاني، وبنحو عشرين مرة عن نسبتهم لدى الجيل الثالث (1.3% فقط).

يهودا شنهاف عزا تراجع العربية
إلى إهمالها في المدارس (الجزيرة نت)

ويتجلى ابتعاد الشباب عن العربية أكثر عند ملاحظة الذين شاركوا في المؤتمر فغالبيتهم كانت من المسنين.

وبحسب الاستطلاع فإن نسبة اليهود من أصول غربية(الأشكناز) الذين يتعلمون العربية في الجامعات أكبر أربع مرات من النسبة ذاتها بين اليهود القادمين من بلدان عربية.

وتنجلي أسباب هذا الفارق المثير بمعطى مكمل آخر يظهر أن نسبة اليهود الغربيين الذين تعلموا العربية في إطار الخدمة العسكرية في الجيش أكبر بثلاث مرات من النسبة بين اليهود العرب.

تطهير لغوي
وفي تعليقه على هذه النتائج رأى البروفيسور يهودا شنهاف أن اللغة العربية تتعرض في إسرائيل لعمليات تطهير إثني لغوي.

وأوضح شنهاف للجزيرة نت أن الموقف ذاته يتكرر مع لغات مماثلة مثل ما يحدث لليهود الغربيين الذين تفقد أجيالهم الحالية لغة الأجداد الأصلية كاللغة البولندية، لكنه لا يعتبر ذلك مبررا.

وشدد على أن "العربية لغة رسمية في إسرائيل، إضافة إلى كونها اللغة الأم للكثيرين ولغة الجيران والشركاء من المواطنين الفلسطينيين".

بطاقة دخول
في المقابل يعتقد 33% من الإسرائيليين وفق الاستطلاع أن أهمية العربية تكمن في كونها لغة تراثية لليهود الشرقيين ينبغي الحفاظ عليها، ويدعون إلى تكريسها لغة رسمية. ويقول 25% فقط منهم إنهم يشعرون بالراحة لسماعهم موسيقى عربية أو لتحدثهم بالعربية خارج البيت.

لكن شنهاف يؤكد أن العربية تتجه نحو الانقراض في إسرائيل لأن الإسرائيليين ينظرون إليها نظرة سلبية، مشددا على أن طمس العربية لدى الشرقيين يعتبر بطاقة قبول ودخول إلى "النادي الإسرائيلي المغلق".

وتتفق مع شنهاف المترجمة شوشانة لندن التي تقول للجزيرة نت إن العربية في إسرائيل باتت لغة اصطناعية تستخدم للتنصت والتعقب، لا للحديث بها والإنتاج بواسطتها.

وتدلل على التحول في مكانة العربية بتراجعها لدى الشرقيين مقارنة مع الغربية والأوساط الأمنية، وتحمّل هي وشنهاف الحكومة مسؤولية احتضار العربية بسبب إهمالها في المدارس.

المصدر : الجزيرة