أصبحت الوظائف المرموقة بالمؤسسات العراقية أشبه بالسوق لها وسطاء يتعاملون بالعملة الصعبة، مستغلين أحلام العاطلين بوظائف ذات رواتب مغرية، وفي كثير من الأحيان تتم هذه العمليات دون وجود ضمانات حقيقية سوى الوعود.

مروان الجبوري-بغداد

يبدو طريق الوظيفة الحكومية طويلا جدا أمام الشباب العراقيين من أصحاب الشهادات وبينهم علي كمال، الذي تخرج قبل أربع سنوات من كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة بغداد، ولم يجد وظيفة منذ ذلك الوقت ليبدأ رحلة مضنية من الانتظار واليأس وضيق الأحوال المادية.

وبغير الطرق النظامية يجد كمال حلولا لا يستسيغها في الأصل لعدم قانونيتها، لكن البطالة تدفعه إليها، حيث وجد عبر صديقه شخصا متنفذا بإحدى الوزرات قادرا على أن يؤمن له درجة وظيفية مقابل عشرة آلاف دولار، فاستدان المبلغ من أقاربه وأصدقائه ومضى في هذا الطريق ليعجل بـ"الفرج".

ينتظر كمال اتصالا من ذلك الشخص لكن دون جدوى. ولا تبدو هذه القصة غريبة في العراق اليوم، فالوظائف المرموقة أصبح لها سوق ووسطاء يتعاملون بالعملة الصعبة، مستغلين أحلام العاطلين بوظائف ذات رواتب مغرية، وفي كثير من الأحيان تتم هذه العمليات دون وجود ضمانات حقيقية سوى الوعود.

وفي بعض الحالات يغير البعض من هؤلاء الوسطاء المتنفذين طريقة تعاملهم، إذ أصبحوا يعرضون على طالبي التعيين أن يدفعوا نصف المبلغ المطلوب، وإذا تم قبولهم في الوظيفة الجديدة يدفعون النصف الآخر.

ورغم أن الحكومة تنفي وجود مثل تلك الممارسات إلا في نطاق ضيق جدا، فإنها استشرت لا سيما في الوزارات والمؤسسات السيادية، فيما يسميه مراقبون "مزاد الوظائف في العراق".

شبان عراقيون عاطلون عن العمل في أحد أسواق بغداد (الجزيرة)

إجراءات هيئة النزاهة
ويدفع ضعف الرواتب وندرة فرص التعيين في القطاع الخاص وصعوبة المبادرة الخاصة الشباب للجوء إلى دفع مبالغ كبيرة جدا مقابل العمل في القطاع الحكومي لوجود ضمان وظيفي واجتماعي فيها.

ومع استشراء هذه الممارسات في سوق العمل العراقي لتصبح ظاهرة اجتماعية، تؤكد هيئة النزاهة أنها تحارب هذه الظاهرة وتسعى للقضاء عليها قريبا من خلال عدة إجراءات.

ويقول مدير الإعلام والعلاقات العامة في الهيئة سمير علي حسون للجزيرة نت إن الهيئة تشكل باستمرار لجانا تفتيشية وتفقدية وتحقيقية في مختلف الوزارات والدوائر الحكومية، مهمتها الوقوف على هذه الممارسات ومحاسبة من يقفون وراءها وتقديمهم للتحقيق ثم للقضاء.

وبحسب حسون فإن الهيئة قدمت عشرات المسؤولين عن هذه الظاهرة إلى المحاكمة، كما أنها أصبحت مؤخرا لا تنتظر شكاوى أو بلاغات بهذا الخصوص، بل تشكل لجانا (سرية) تدخل إلى مختلف مؤسسات الدولة للوقوف على هذه المخالفات، ولا تعلن عن نفسها إلا بعد القبض على المتهمين بالجرم المشهود.

ويؤكد حسون أنه لا توجد إحصاءات دقيقة حول هذه الممارسات في الدوائر الحكومية العراقية، لكن الهيئة وضعت خططا للقضاء عليها في القريب العاجل وتقديم مرتكبيها للقضاء، حسب قوله.

انعدام فرص التعيين في الوظائف الحكومية بالعراق دفع الكثير من الشباب للعمل في مهن بسيطة (الجزيرة)

مافيات متنفذة
ووفقا لتقارير منظمة الشفافية الدولية، فإن العراق يأتي في مقدمة الدول التي يستشري فيها الفساد المالي، وحسب كثير من الخبراء والمختصين فإن تركيبة العملية السياسية ووجود أحزاب كبيرة مهيمنة عليها يساهمان في استشراء عمليات الفساد الإداري والوظيفي عبر تعيين موالين لهذه الأحزاب ومؤيدين لها.

ويرى الباحث الاجتماعي سعد السعد أن هذا الواقع هو إفراز طبيعي للعملية السياسية المبنية على أسس طائفية وحزبية، فالدرجات الوظيفية الكبيرة بحسبه تقتصر على المتنفذين والمقربين من رؤوس الأحزاب الكبيرة الحاكمة.

ومن المفارقات -كما يقول السعد- أنك قد تجد أحيانا عامل نظافة أو خدمات هو من يقوم بالسعي لترويج هذه المعاملات مقابل مبالغ قد تصل إلى آلاف الدولارات في ظل غياب تام للرقابة أو المحاسبة.

ويشير السعد إلى أن هيئة النزاهة الحكومية تغض الطرف عن الكثير من هؤلاء باعتبارهم سماسرة لحيتان كبيرة، على حد وصفه.

وفي خضم البيروقراطية الموجودة في العراق، كما يضيف السعد، يتطلب إكمال معاملة تعيين لشخص ما مجموعة من الإجراءات والتواقيع من أكثر من مسؤول مما يجعل أصحاب المعاملات يبحثون عن طرق بديلة.

ويختصر دفع مبالغ من المال شهورا من الانتظار عن طريق مافيات متخصصة في إكمال مثل هذه الإجراءات عبر سلسلة طويلة من العلاقات والواسطات، وفق ما يقول الباحث الاجتماعي سعد السعد.

المصدر : الجزيرة