لعل مأزق النظام الإقليمي العربي، إضافة إلى عوامل التشرذم الداخلي، يتمثل في صعود قوى إقليمية ونهوضها المعلن للعب دور أكبر في المنطقة، خاصة إيران المنتشية باتفاقها النووي مع الغرب، وتركيا بطموحها الاقتصادي والسياسي.

زهير حمداني

بين الخلافات المعلنة والمكتومة وخروج دول من دائرة التأثير وتآكل أخرى بالحروب الداخلية والتدخل الخارجي، يمضي النظام الإقليمي العربي إلى حالة من التيه، يعززها عدم وضوح العلاقة بين المملكة العربية السعودية ومصر، وهما قطبا الرحى تاريخيا في صناعة هذا النظام، وخاصة "الحيرة" المصرية في التموضع.

ومع زيادة تمزق البنى السياسية والاقتصادية العربية خلال مرحلة ما بعد الربيع العربي -وخصوصا العام الجاري- أصبحت التحالفات العربية متحركة تبعا لمتغيرات المنطقة الملتهبة وتغير الأنظمة والزعامات والنظرة المختلفة والمتناقضة أحيانا لماهية الصراع الحاصل في المنطقة وتزايد الاستقطابات الدولية خاصة بعد التدخل الروسي في سوريا.

وفي ظل هذه الظروف، تبدو المنظومة الخليجية الأكثر تماسكا، تسندها نظرة موحدة إلى حد كبير تجاه ملفات المنطقة في سوريا والعراق، وفي اليمن خصوصا حيث تشارك الدول الخليجية – ما عدا عمان- في التحالف العربي ضد الحوثيين، وكذلك في النظرة إلى الخطر الإيراني على أمن الخليج، وهو ما أكدته القمة الخليجية قبل أيام في الرياض.

 الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مصافحا نظيره المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله بمصر في أغسطس/آب الماضي (الأوروبية)

أزمة القطبين
وتمر العلاقة بين مصر والسعودية بحالة من الفتور غير المعلنة رسميا، لكنها تظهر من خلال قراءة توجهات وسائل الإعلام المصرية خاصة، وتتبع آراء كتاب كبار محسوبين على سلطات البلدين مثل الكاتب السعودي جمال خاشقجي والمصري إبراهيم عيسى وغيرهما من بعض المذيعين وكتاب الرأي من الجانبين.

ومن عوامل هذا الفتور، اختلاف نظرة الطرفين إلى الأزمة السورية والموقف المتباين من الأسد ونظامه، حيث تدعو السعودية لإسقاطه سياسيا أو عسكريا، في حين تستقبل القاهرة بعض مسؤوليه مثل رئيس مكتب الأمن القومي اللواء علي مملوك في أغسطس/آب الماضي ووزير الإسكان محمد وليد غزال الشهر الجاري، مما قد يمهد لإعادة العلاقات الدبلوماسية وفق ما يرجح عدد من المتابعين.

وفي هذا السياق، كان تأييد مصر للتدخل العسكري الروسي في سوريا وعدم إدانتها الوجود الإيراني الذي يؤازر جيش النظام هناك، مثار عدم ارتياح من المملكة التي ترفض بشدة دعم موسكو وطهران نظام بشار الأسد.

كما يختلف البلدان في مسألة حرب اليمن -التي لم تنخرط فيها مصر وفق انتظارات الرياض- وفي النظرة إلى الخطر الإيراني الذي لا تراه القاهرة محدقا عكس الرياض، وتتوجس مصر أيضا من تطوير الرياض علاقتها مؤخرا مع تركيا، وكذلك إدماج حزب الإصلاح اليمني (ذي المرجعية الإسلامية) في حرب اليمن بما يشي وفق قراءة القاهرة بتحسن علاقة الرياض بحركة الإخوان المسلمين، وتزن ذلك من منظور تأثيره الداخلي عليها.

وبقدر ما تقترب مصر من النظام السوري ومن الحلف الذي يجمعه بإيران وروسيا والعراق نسبيا، فإنها تبتعد عن علاقات متميزة مع الرياض باتجاه مزيد من الفتور الذي لا يصل إلى قطيعة، وفي المقابل تحاول القاهرة الحفاظ على علاقات متينة مع الإمارات والأردن لوجود تقاطعات في العلاقة بينها خاصة في النظرة إلى "خطر الإخوان".

التدخل الروسي عسكريا في سوريا زاد من تعقيد الأوضاع بالمنطقة العربية (رويترز)

صراع القوى
وفي ظل العلاقات المصرية السعودية الملتبسة –على الأقل في ما يتعلق بالنظرة إلى الأعداء والأصدقاء في المنطقة- يصعب الحديث عن أي محور سياسي فاعل على المستوى العربي إذا استثني صمود المنظومة الخليجية.

وفي هذا السياق، بقيت مقررات القمة العربية التي عقدت العام الجاري بالقاهرة معلقة، وتحديدا في موضوع القوة العربية المشتركة التي جاءت بتفاهم مصري سعودي في فترة حكم الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز.

ووسط التحالفات المتحركة، بقيت بعض الدول العربية محافظة على رؤيتها القديمة بعدم الانحياز، وآثرت الحياد في ملفات الصراعات الرئيسية بالمنطقة ولعبِ دور الوساطة مثل عمان في الملف الإيراني وكذلك اليمني والسوري، والجزائر في الملف الليبي.

ولعل مأزق النظام الإقليمي العربي، الذي يمر حاليا بأضعف مراحله، هو صعود قوى إقليمية ونهوضها المعلن للعب دور أكبر في المنطقة، خاصة إيران المنتشية باتفاقها النووي مع الغرب، وتركيا بطموحها الاقتصادي والسياسي، مما جعل العالم العربي تحت وطأة هذا النهج المتجدد من الاستقطاب الذي تتعامل معه الدول العربية بشكل منفرد ووفقا لتصورات ذاتية.

وهذا الاستقطاب الذي يتخذ في الغالب طابعا طائفيا –إيران الشيعية وتركيا السنية- والذي يضاف إليه الخطر الإسرائيلي الدائم وتنظيم الدولة الإسلامية "المتمدد"، يهدد "بتعرية" العمل العربي المشترك نهائيا وإفراغه من "عروبته"، في صورة استمرار حالة الضياع العربي السائدة والتي قد تنتهي بحدود جديدة ترسمها خطوط النار.

المصدر : الجزيرة